شريط الأخبار

الانْحِرَافُ الفِكْرِي..أَسْبَابٌ وَحُلُولٌ

أ. محمد ناصر الثوابتة - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 269

إِنَّ الانْحِرَافَ فِي اللُّغَةِ هُوَ المَيْلُ عَنْ الاسْتِقَامَةِ إِلَى الاعْوِجَاجِ، وَالأَصْلُ فِي الانْحِرَافَاتِ الفِكْرِيَّةِ هُوَ الانْحِرَافُ العَقَدِيُّ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الانْحِرَافُ فِي لَازِمٍ مِنْ لَوَازِمِ العَقِيدَةِ كَالشَّرِيعَةِ وَالأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ وَالنُّظُمِ.

أَمَّا الانْحِرَافُ الفِكْرِيُّ اصْطِلَاحَاً فَهُوَ الفِكْرُ الذِي لَا يَلْتَزِمُ بِالْقَوَاعِدِ الدِّينِيَّةِ وَالتَّقَالِيدِ وَالأَعْرَافِ وَالنُّظُمِ الاجْتِمَاعِيَّةِ المُلْزِمَةِ لِأَفْرَادِ المُجْتَمَعِ، وَلِذَلِكَ تَتَعَدَّدُ مَجَالَاتُ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ، فَمِنْهَا: الانْحِرَافُ الفِكْرِيُّ السِّيَاسِيُّ ، وَالانْحِرَافُ الفِكْرِيُّ الدِّينِيُّ، وَالانْحِرَافُ الفِكْرِيُّ الإِعْلَامِيُّ، وَغَيْرُهَا.

وَعَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، فَهُنَاكَ عِدَّةُ عَوَامِلَ تَتَسَبَّبُ فِي الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ، وَمِنْهَا:

- الغُلُوُّ وَالتَّطَرُّفُ: وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ، وَيَكُونُ بِعَدَمِ الاعْتِرَافِ بِالْرَّأْيِ الآخَرِ، وَمُصَادَرَتُهُ لِمَسَائِلِ الاجْتِهَادِ، وَفَهْمُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهَا، فَيَصِلُ الأَمْرُ بِالْشَّخْصِ المُنْحَرِفِ فِكْرِيَّاً إِلَى التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِيرِ وَالتَّخْوِينِ وَهَدْمِ صُرُوحِ الغَيْرِ.

- كَمَا أَنَّ هَامِشِيَّةَ المُؤَسَّسَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ تُعَدُّ سَبَباً فِي الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ، مِثْلَ المَدَارِسِ وَالمَسَاجِدِ وَالجَامِعَاتِ، فَهَذِهِ المُؤَسَّسَاتُ لَا يُهْتَمُّ فِيهَا بِتَنْمِيَةِ الفِكْرِ الصَّحِيحِ.

- كَمَا أَنَّ بِيئَاتِ التَّوَتُّرِ وَالصِّرَاعِ سَبَبٌ فِي الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ مُقَوِّمَاتٌ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَبِيئَةٌ يَنْمُو فِيهَا، وَمُنَاخٌ يَنْشَأُ عَلَيْهِ وَيَعِيشُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ كَثْرَةُ الجَمَاعَاتِ وَتَعَدُّدُ الصِّرَاعَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالمَذَاهِبُ الفِكْرِيَّةُ أَخْرَجَتْ لَنَا انْحِرَافاً فِكْرِيَّاً مُتَشَعِّباً.

- وَيُعَدُّ اليَأْسُ وَالإحْبَاطُ سَبَباً آخَرَ مِنْ أَسْبَابِ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ، فَإِذَا غَلَبَ اليَأْسُ وَالإِحْبَاطُ عَلَى الفَرْدِ شَعَرَ بِالْنَّقْصِ، وَانْعِدَامِ الأَمَلِ، وَالانْتِقَاصِ الذَّاتِيِّ، فَهَذِهِ المَشَاعِرُ وَغَيْرُهَا تَجْعَلُهُ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِأَفْكَارٍ وَمُعْتَقَدَاتٍ مُنْحَرِفَةٍ مِنْ أَجْلِ تَغْيِيرِ الوَاقِعِ.

- وَتُعَدُّ وَسَائِلُ الإِعْلَامِ مِنْ أَكْثَرِ الأَسْبَابِ دَافِعِيَّةً لِتَكْوِينِ الاتِّجَاهَاتِ وَالأَفْكَارِ المُنْحَرِفَةِ مِنْ خِلَالِ الإِنْتَرْنِتِّ وَوَسَائِلِهِ الحَدِيثَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الوَسَائِلُ مَقْرُوءَةً أَوْ مَسْمُوعَةً أَوْ مَرْئِيَّةً.

أَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِآثَارِ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ عَلَى الأَمْنِ وَالعَقِيدَةِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَمِنْهَا: إِثَارَةُ الشُّبُهَاتِ دُونَ أَدِلَّةٍ أَو اعْتِبَارَاتٍ شَرْعِيَّةٍ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ فِقْهِ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ وَفِقْهِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ سِيَاقِهَا وَفَهْمِهَا الصَّحِيحِ، فَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ إِلْقَاءُ الأَحْكَامِ دُونَ تَأْصِيلٍ وَنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، أَوِ الرُّجُوعِ لِلْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ.

أَمَّا الوِقَايَةُ وَالعِلَاجُ مِنَ الفِكْرِ المُنْحَرِفِ فَهُوَ مَنَاطٌ بِعَدَدٍ مِنَ الاعْتِبَارَاتِ، وَمِنْهَا:

1. دَوْرُ الأُسْرَةِ: فَهِيَ المُسَاهِمُ الأَوَّلُ فِي الوِقَايَةِ مِنْ مُشْكِلَةِ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ مِنْ خِلَالِ جَعْلِ أَفْكَارِ الوَالِدَيْنِ أَفْكَارًا سَوِيَّةً وَعَقْلَانِيَّةً وَمَوْضُوعِيَّةً، وَأَنْ يَكُونَ الوَالِدَانِ قُدْوَةً مِثَالِيَّةً فِي التَّعَامُلِ مَعَ أَنْفُسِهِمْ وَمَعَ الآخَرِينَ، وَالمُرَاقَبَةِ الوَاعِيَةِ لِلْأَبْنَاءِ؛ حَتَّى لَا يَنْجَرِفُوا إِلَى التَّـيَّارَاتِ الفِكْرِيَّةِ المُنْحَرِفَةِ، وَأَنْ يَحْرِصَ الوَالِدَانِ عَلَى اخْتِيَارِ الصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ لِأَبْنَائِهِمْ.

2. دَوْرُ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ: فَهِيَ سِلَاحٌ ذُو حَدَّيْنِ، وَلَها دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي تَوْضِيحِ الحَقَائِقِ، وَنَشْرِ الوَعْيِ، وَصِحَّةِ المَعْلُومَاتِ، بِمَا يُوَضِّحُ الصُّورَةَ أَمَامَ الجَمِيعِ مِنْ خَطَرِ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ.

3. دَوْرُ المَسَاجِدِ: وَلِلْأَسَفِ أَصْبَحَتِ المَسَاجِدُ مَكَانَاً لِلْعِبَادَةِ فَقَطُ، وَفَقَدَتِ التَّأْثِيرَ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ وَتَوْعِيَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ عَوْدَةِ الدَّوْرِ الرَّئِيسِ لِلْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ إِحْيَائِهِ بِالْمَجَالِسِ العِلْمِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالدَّوْرَاتِ التِي تُسْهِمُ فِي غَرْسِ العَقِيدَةِ السُّنِّيَّةِ الوَسَطِيَّةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ البِدَعِ وَالانْحِرَافَاتِ الفِكْرِيَّةِ المُعَاصِرَةِ، يُلْقِيهَا كَادِرٌ مُتَخَصِّصٌ فِي نَشْرِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.

4. دَوْرُ المَرْجِعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ المُوَحَّدَةِ: فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ مَرْجِعِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ بَعِيدَاً عَنِ الحِزْبِيَّةِ المُفْرِطَةِ، وَتَقُومُ بِنَشْرِ البَيَانَاتِ العِلْمِيَّةِ التَّوْعَوِيَّةِ الهَادِفَةِ، وَتَوْحِيدِ الفَتَاوَى الشَّرْعِيَّةِ، وَمُنَاظَرَةِ أَصْحَابِ الفِكْرِ المُنْحَرِفِ عَلَى كَافَّةِ مَشَارِبِهِمْ وَتَوَجُّهَاتِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الفِرَقِ المُخَالِفَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ كَالخَوَارِجِ وَالمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ المَنَاهِجِ المُنَاهِضَةِ لِلْإِسْلَامِ كَالْعَلْمَانِيَّةِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَالإِلْحَادِ وَالتَّشَيُّعِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى كَادِرٍ مُتَخَصِّصٍ وَمُؤَصِّلٍ فِكْرِيَّاً وَعَقَدِيَّاً.

5. إِبْرَازُ الحِوَارِ الهَادِفِ: فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْحِ المَجَالِ لِلْرَّأْيِ الآخَرِ، وَقَبُولِ الحِوَارِ مَعَهُ، وَاسْتِخْدَامِ سِلَاحِ الحُجَّةِ وَالبُرْهَانِ وَالإِقْنَاعِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الآخَرُ مُغَايِرَاً فِي السِّيَاسَةِ أَوِ الفِكْرِ أَوِ المَنْهَجِ، وَإِقَامَةِ المَجَالِسِ الحِوَارِيَّةِ التِي تُوْصِلُ إِلَى نَتَائِجَ مُرْضِيَةٍ لِجَمِيعِ الأَطْرَافِ.

6. إِنْشَاءُ هَيْئَاتٍ وَمَعَاهِدَ شَرْعِيَّةٍ: حَيْثُ إِنَّ الفِكْرَ لَا يُعَالَجُ إِلَّا بِالْفِكْرِ، وَتُوْضَعُ لِهَذِهِ الهَيْئَاتِ وَالمَعَاهِدِ مَنْهَجِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ مُتَخَصِّصَةٌ فِي كَافَّةِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ لَدَيْهَا بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ نِتَاجٌ عِلْمِيٌّ قَوِيٌّ، وَأَبْحَاثٌ مُحْكَمَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الانْحِرَافَاتِ الفِكْرِيَّةِ المُعَاصِرَةِ، وَتَخْرِيجُ عَدَدٍ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ لَدَيْهِمُ القُدْرَةُ وَالكَفَاءَةُ عَلَى البَحْثِ وَالمُنَاظَرَةِ وَالاسْتِدْلَالِ.

7. وأَخِيرَاً وَلَيْسَ بِآخِرٍ، المُعَالَجَةُ الأَمْنِيَّةُ لِلْفِكْرِ المُنْحَرِفِ: تَبَعاً لِلْمُعَالَجَةِ الفِكْرِيَّةِ بَعْدَمَا تَمُرُّ المُعَالَجَةُ الأَمْنِيَّةُ بِالْخُطُوَاتِ السَّابِقَةِ، فَالمُعَالَجَةُ الفِكْرِيَّةُ أَصَالَةً ثُمَّ المُعَالَجَةُ الأَمْنِيَّةُ تِبَاعَاً، إِلَّا إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى الفِكْرِ المُنْحَرِفِ أَعْمَالٌ وَأفْعَالٌ عُدْوَانِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَمْنِ المُوَاطِنِينَ وَحِفْظِ دِمَائِهِمْ، فَعِنْدَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ المُعَالَجَةِ الأمْنِيَّةِ.

مقالات مشابهة

الانْحِرَافُ الفِكْرِي..أَسْبَابٌ وَحُلُولٌ

منذ 0 ثانية

أ. محمد ناصر الثوابتة - خطيب بوَزارة الأوقاف

حوار خاص مع د. خالد أبو شادي - داعية إسلامي

منذ 1دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية - فلسطين

التَّرْبِيَةُ الإِيمَانِيَّةُ

منذ 1دقيقة

أ. محمود سلامة - خطيب بوَزارة الأَوْقاف

طريقنا نحو طفل قلبه معلق بالمسجد

منذ 1دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الانْحِرَافُ الفِكْرِي..أَسْبَابٌ وَحُلُولٌ

منذ 0 ثانية269
النفس .. "أوصافها وخطورتها على القلب"

منذ 6 ثانية198
لبيك

منذ 10 ثانية232
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi