شريط الأخبار

الإِجازَةُ الصَّيْفِيَّةُ وَاسْتِثْمارُ الوَقْتِ

أ. زاهر أكرم اخزيق - خَطيبٌ بِوَزارةِ الأَوْقاف منذ 0 ثانية 402

إنَّ اسْتِثْمارَ الأَوْقاتِ مِنْ أَهَمِّ ما يَحْرِصُ عَلَيْهِ الإِنْسانُ؛ لِأَنَّ الوَقْتَ هُوَ الحَياةُ، وَالعاقِلُ هُوَ الذِي يَعْرِفُ قَدْرَ وَقْتِهِ وَشَرَفَ زمانِهِ، فَلا يُضِيعُ ساعَةً واحِدَةً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي خَيْرِ الدُّنْيا أو الآخِرَةِ، فَالوَقْتُ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنا، قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفُرْقان:62]، ونَبِيُّنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمُنا أنَّ الإِنْسانَ سَيُسْأَلُ عَنْ أَيَّامِ عُمُرِهِ وَساعاتِهِ كَما فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي بُرْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -رضِيَ اللهُ عَنْه- أنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالَ: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَوْمَ القِيامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيما أَفْناهُ وَعَنْ جَسَدِه فيما أبلاه، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ«، وَفِي لَفْظٍ: «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيما أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيما أَنْفَقَهُ» [رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ].

إنَّ الإِجَازَةَ الصَّيْفِيَّةَ مَوْسِمٌ مُنْتَظَرٌ مِنَ الجَمِيعِ سَواءٌ مِنَ الطُّلابِ بَعْدَ عامٍ دِراسِيٍّ شاقٍّ وَعَمَلٍ مُضْنٍ، أَوْ مِنَ المُوَظَّفِينَ حتَّى يَسْتَرِيحُوا قَلِيلاً مِنْ عَناءِ العَمَلِ، فَهِيَ كَما ذَكَرْنا مَوْسِمٌ مُنْتَظَرٌ مِنَ الجَمِيعِ صِغارًا وَكِبارًا، وَها هِيَ قَدْ أَطَلَّتْ عَلَيْنا، فَتَكُونُ بَيْنَ مَنْ يَسْتَثْمِرُها فِي عَمَلٍ يَنْفَعُهُ فِي دُنْيا أَوْ آخِرَةٍ، وبين من يضَيَّعَها عَلى مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ وَالشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ وَمُشاهَدَةِ الفَضائِيَّاتِ التِي تَجْعَلُ العُبَّادَ الزُّهَّادَ إلى فُجَّارٍ فُسَّاقٍ، أوْ فِي التَّسَكُّعِ فِي أَماكِنِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ بِلا فائِدَةٍ وَلا عائِدَةٍ، فَتَراهُ عاكِفاً عَلَيْها لَيْلَاً ونَهارَاً بِلا مَلَلٍ وَلا فُتُورٍ، فَإِذا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ لِلْصَّلاةِ قامَ كَسْلانًا يَتَذَمَّرُ وَيَتَأَفَّفُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

فَيا أَيُّها الحَبِيبُ وَالابْنُ الغالي، لا بُدَّ لَكَ مِنْ وَقْفَةٍ وَصَحْوَةٍ؛ لِنَسْتَثْمِرَ أَوْقاتِنا وَلا نَقْتُلَها، فَلَرُبَّما كانَتِ الإِجازَةُ نِعْمَةً لِلْبَعْضِ وَنَقْمَةً لِلْبَعْضِ الآخَرِ، جاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضِيَ اللهُ عَنْهما- أنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَراغُ» [رَواهُ البُخارِيُّ]، وَيُعَقِّبُ الإِمامُ ابْنُ حَجَرٍ عَلى هَذا الحَدِيثِ، فَيَقُولُ: (فَمَن اسْتَغَلَّ صِحَّتَهُ وَفَراغَهُ فِي طاعَةِ اللهِ فَهُوَ المَغْبُوطُ، وَمَن اسْتَغَلَّ صِحَّتَهُ وَفَراغَهُ فِي مَعْصِيةِ اللهِ فَهُوَ المَغْبُونُ أَيْ المَخْدُوعُ)، فَكَما أَنَّ الصِّحَّةَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنا فَكَذَلِكَ الفَراغُ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ التِي لا يَعْرِفُ قَدْرَها إِلَّا مَن اسْتَغَلَّها خَيْرَ اسْتِغْلالٍ، فَلَرُبَّما تَمْلِكُ اليَوْمَ فَراغًا لا تَمْلِكُهُ فِي اليَوْمِ الذِي بَعْدَهُ.

وَاعْلَمُوا أَيُّها الكِرامُ أَنَّ العُمُرَ الحَقِيقِيَّ لِلْإِنْسانِ لا يُقاسُ بِسَنَواتِهِ التِي قَضاها مِنْ يَوْمِ وِلادَتِهِ إلى يَوْمِ وَفاتِهِ، وَإِنَّما العُمُرُ الحَقِيقِيُّ لِلْإِنْسانِ يُقاسُ بِقَدْرِ ما قَدَّمَ الإِنْسانُ فِي سَنَواتِ عُمُرِهِ مِنْ عَظائِمِ الأُمُورِ وَجَلائِلِ الأَعْمالِ الصَّالِحاتِ الطَّيِّباتِ، هَذا هُوَ عُمُرُكَ الحَقِيقِيُّ يُقاسُ بِعَمَلِ الخَيْراتِ وَبِالطَّاعاتِ، فَكَمْ مِنْ عُمُرٍ طَالَتْ آمادُهُ وَقَلَّتْ خَيْراتُهُ!، وَكَمْ مِنْ عُمُرٍ قَلَّتْ آمادُهُ وَكَثُرَتْ خَيْراتُهُ!

إِنَّ أعْمارَنا هِيَ أعْمالُنا، وَليْسَت السَّنَوَاتِ التِي نَقْضِيها فِي هَذِهِ الحَياةِ، فَلا بُدَّ لِكُلِّ أَخٍ كَرِيمٍ وأُخْتٍ كَرِيمَةٍ وَأَبٍ حَنُونٍ وَأُمٍّ واعِيَةٍ مِنْ وَضْعِ بَرْنامَجٍ مُلائِـمٍ لِلْإِجازَةِ؛ حَتَّى نَتَمَكَّنَ مِن اسْتِغْلالِ هَذِهِ الفُرْصَةِ فِي الشَّيْءِ النَّافِعِ مِنْ دِينٍ أَوْ دُنْيا.

وَمِنَ الأُمُورِ التِي نَقْتَرِحُها حِفْظُ أَجْزاءٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ أَوْ حِفْظُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ مَثَلاً، أَوْ أَخْذُ دَوْرَةٍ قَصِيرَةٍ فِي عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ التِي تُحِبُّها أَوْ مَهارَةٍ مِنَ المَهاراتِ التِي تَحْتاجُها مَعَ إِعْطاءِ بَعْضِ الوَقْتِ لِلْتَّرْفِيهِ عَن النَّفْسِ، فَالنَّفْسُ جَمُوحٌ؛ إِذا كَلَّتْ مَلَّتْ وَإِذا مَلَّتْ عَمِيَتْ، وَقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِحَنْظَلَةَ لَمَّا اتَّهَمَ نَفْسَهُ بِالنِّفاقِ: «ساعَةً وَساعَةً» ثَلاثَ مَرّاتٍ [رَواهُ مُسْلِمٌ].

مقالات مشابهة

الإِجازَةُ الصَّيْفِيَّةُ وَاسْتِثْمارُ الوَقْتِ

منذ 0 ثانية

أ. زاهر أكرم اخزيق - خَطيبٌ بِوَزارةِ الأَوْقاف

لِمَاذَا نَدْعُو اللهَ وَلَا يَسْتَجِيبُ لَنَا؟

منذ 3 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الإِجازَةُ الصَّيْفِيَّةُ وَاسْتِثْمارُ الوَقْتِ

منذ 0 ثانية402
مسجد أبو بكر الصديق – حي البرازيل

منذ 1دقيقة429
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

منذ 2 دقيقة351
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi