شريط الأخبار

إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 184

جاءَ أحَدُ المَرْضى فِي يَوْمِ السَّبْتِ إلى سَيِّدِنا عِيْسَى -عَلَيْهِ السَّلامُ- طالِبًا العِلاجَ، فَلَمَّا عالَجَهُ سَيِّدُنا عِيْسَى، اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ حَوارِيِّيْهِ، كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ؟ فَأجابَهُم قائِلًا: "السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ"، وهذه الإجابةُ تُوَضِّحُ مَقْصِدَ العِباداتِ التِي فَرَضَها اللهُ عَلى عِبادِهِ، فإنَّ اللهَ -سُبْحانَهُ وتَعالى- غَنِيٌّ عَنَّا ونَحْنُ الفُقَراءُ إِلَيْهِ، وهُوَ لا يَسْعى لِتَعْذِيبِ خَلْقِهِ بَلْ يُرْيدُ سَعادَتَهم ورَحْمَتَهم، والمَقْصِدُ الحَقِيْقِيُّ مِنْ وَراءِ كُلِّ التَّكْلِيفاتِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ تَحْقِيقُ مَصْلَحَةِ الإنْسانِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ.

إنَّ الصِّيامَ لا يَهْدِفُ لِإِرْهاقِ الإنْسانِ، وإتْعابِهِ مِنْ خِلالِ الجُوعِ والعَطَشِ، بَلْ يَهْدِفُ لِتَهْذِيبِ نَفْسِهِ، وتَقْوِيمِ سُلُوكِهِ، وزِيادَةِ حَسَناتِهِ، قال تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البَقَرة:183]، لِذَلِكَ أجازَ الإسْلامُ لِلْإِنْسانِ أنْ يُفْطِرَ إذا عانى مِنْ أَيِّ مَشَقَّةٍ زائِدَةٍ عَن الحَدِّ المُعْتادِ، قال تَعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ [البقرة:184]، ويَرْفُضُ الإسْلامُ اتِّخاذَ تَعْذِيبِ النَّفْسِ وإلْحاقِ الضَّرَرِ بِها وَسِيلَةً لِلْتَّقَرُّبِ للهِ، فَبَيْنَما كان النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ إذا هُوَ بِرَجُلٍ قائِـمٍ فِي الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، قالُوا: هذا أبُوْ إسْرائِيلَ، نَذَرَ أنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدَ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتَكَلَّمَ، ويَصُومَ، فقال رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مُرُوهُ فَلْيتكلمْ وليستظلَّ وليقعدْ، وليتمَّ صومه» [رواه البخاري]، فأَمَرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْتَّوَقُّفِ عَن الأشْياءِ المُتْعِبةِ بِلا فائِدةٍ، وأَمَرَهُ بِإِتْمامِ الصِّيامِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ فَوائِدَ دِيْنِيَّةٍ ودُنْيَوِيَّةٍ.

ومِنْ حِكَمِ الصِّيامِ أنْ يَتَذَكَّرَ الصائِمُ أثْناءَ جُوعِهِ أُوْلَئِكَ الفُقَراءَ الذِيْنَ يَجُوعُونَ طَوَالَ العامِ، يَقُولُ الإمامُ ابْنُ الهُمَامِ -رحِمَه اللهُ-: "فَإِنَّهُ لَمَّا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ذَكَرَ مَنْ هَذَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ فَتُسَارِعُ إلَيْهِ الرِّقَّةُ عَلَيْهِ" [فيض القدير:2/301]، لِذَلِكَ كانَ تَفْطِيرُ الصَّائِمِينَ مِنَ الأعْمالِ الصَّالِحَةِ التِي يَتَقَرَّبُ بِها المُسْلِمُ لِرَبِّهِ، قال رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه الترمذي].

وإذا لَمْ يَتْرُكْ الصَّائِمُ إِيذاءَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ، فَلا يَكُونُ قَدْ حَقَّقَ مَقاصِدَ الصِّيامِ فِي نَفْسِهِ، فَقَدْ جاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رواه البخاري]، ويَلْحَقُ بِقَوْلِ الزُّورِ كُلُّ ذَنْبٍ فِيْهِ ظُلْمٌ وإِيذاءٌ لِلْنَّاسِ، بَلْ إنَّ المُسْلِمَ الصَّائِمَ مُطالَبٌ أنْ يَكُونَ أكْثَرَ تَسامُحًا وحِلْمًا عَلى إخْوانِهِ الصَّائِمِينَ أكْثَرَ مِنْ بَقِيَّةِ الأيَّامِ، حيث قال رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» [رواه البخاري ومسلم].

وَحِيْنَما سافَرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ بَعْضِ أصْحابِهِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الحَرِّ، أخَذَ بَعْضُهُم بِالْرُّخْصةِ فَأَفْطَرَ، وصامَ الآخَرُونَ، فَلَمَّا نَزَلُوا فِي مَكانٍ، قامَ المُفْطِرُونَ بِإِعْدادِ الطَّعامِ، وسَقْيِ الإِبِلِ، وتَجْهِيزِ المَكانِ، أيْ أنَّهم قامُوا بِجَمِيعِ الأعْمالِ المَطْلُوبةِ، ولَمْ يَفْعَلِ الصَّائِمُونَ شَيْئًا، فَقالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ اليَوْمِ: «ذَهَبَ المُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ» [رواه البخاري]، فهُمُ اسْتَحَقُّوا الأجْرَ؛ لِأَنَّهُم قامُوا بِخِدْمةِ إخْوانِهِم.

هذهِ بَعْضُ المَعاني الإنْسانِيَّةِ فِي الصِّيامِ، وبِالْتَّأْكِيدِ يُوْجَدُ غَيْرُها، فَما أجْمَلَ أنْ نَتَقَرَّبَ لِلْرَّحْمَنِ فِي رَمَضانَ بِرَحْمَةِ الإنْسانِ.

مقالات مشابهة

إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

منذ 0 ثانية

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 5 ثانية

د. محمد كمال سالم - خطيب بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

عِلْمُ النَّفْسِ النَّحْوِيُّ!

منذ 15 ثانية

أ‌. محمد علي عوض - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

ما مَوْقِفُ الإِسْلامِ مِنَ الحَرْبِ؟

منذ 21 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

منذ 0 ثانية184
حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 5 ثانية163
مفهوم الحب والتعاون الدعوي وأثرهما على رواد المسجد

منذ 10 ثانية204
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi