شريط الأخبار

مسيرةُ العوْدةِ بين الغاياتِ العِظامِ والتضحياتِ الجسامِ

د. شادي حمزة طبازة - خطيب بوزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 30

حامدًا ومصليًا ومسلّمًا، وبعد:

إنَّه معَ مُرورِ الأيامِ ومُضِيِّ السنواتِ، واختلافِ حالِ المسلمين عنْ إخوانِهم الأوائلِ الذين كانوا معَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومَنْ تبِعهم، ومَعَ ظهورِ الفِتَنِ التي أخبرَ بها النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وتساقطِها كالمطرِ، فقد روى أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ» [أخرجه البخاري في صحيحه:ح/‏1788].

ومَعَ انتشارِ الظُّلمِ وانقلابِ الموازينِ وتسلُّطِ الظالمين على المستضعفين، حتى أصبحَ الصادقُ مكذَّبًا، والكاذبُ مصدَّقًا، ومَنْ سُفِك دَمُه إرهابيًا، ومَنْ قَتل الأبرياءَ يدَّعي مُحاربةَ الإرهابِ، إلى غيرِ ذلك ممّا يُدْمي القلبَ.

لكنَّنا مَعَ هذا كُلِّه نثقُ بنصرِ اللهِ تعالى الذي وَعَدَ به عبادَه المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:38،39]، قال ابنُ كثير - رحمه الله تعالى-: "هو قادرٌ على نصْرِ عبادِه المؤمنين من غيرِ قتالٍ، ولكنْ هو يريدُ مِنْ عبادِه أن يبذلوا جهدَهم في طاعتِه"، بل لقد كتَبَ اللهُ النصرَ لرسلِهِ ولجندِهِ ولو بعدَ حِيْنٍ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:171-173]، فمهما كان تغيُّرُ الزمانِ ومهما انقلبت الموازينُ إلا أنَّ نصرَ اللهِ مُتحقِّقٌ لا مَحالةَ، فهو القادرُ على نصرِ عبادِه، ولنْ نيأسَ يوماً مِنْ رحمتِه ونصرِه جل جلاله.

ولقد شهِد قطاعُ غزَّةَ الحبيبةِ في فلَسطينَ المباركةِ في الأيّامِ الماضيةِ حدَثاً كبيراً سيظلُّ محفوراً في ذاكرةِ التاريخِ الفلَسطينيِّ، إنَّها مسيراتُ العودة، ذلك المَشْهدُ الجميلُ الذي تجلَّتْ فيه وَحْدةُ شعبِنا الفلَسطينيِّ، وذاكرتُه الحيّةُ نحو الأرضِ والوطَنِ، حيث يُمثِّلُ هذا الإبداعُ تحوُّلاً استراتيجياً في صراعِنا مَعَ المُحْتَلِّ أثبتَ أهلُ فلَسطينَ مِنْ خلالِه أنَّ الحقَّ لن يَضيعَ مهما تقادمت السنواتُ.

وإنَّ مِنْ سننِ اللهِ تعالى في خَلْقِه سُنَّةَ المُدافعةِ بين الحقِّ والباطلِ، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيٌز﴾ ]الحج:40]، فلولا هذه السنةُ الرّبّانيةُ لفَسَدَت الأرضُ، أيْ لطغى الباطلُ على الحقِّ، وعمَّ الفسادُ وانتشر الباطلُ، لكنَّ اللهَ بحكمتِه مَدَّ هذا الصراعَ بين الحقِّ والباطلِ منذ أن خلقَ الخلقَ إلى أن يَرِثَ الأَرْضَ ومَنْ عليها، فإنَّ أهلَ الحقِّ في صِراعٍ ومُدافعةٍ مَعَ أهلِ الباطلِ على اختلافِ ألوانِهم وأجناسِهم.

وما يقومُ به شعبُ فلَسطينَ في هذه الأيامِ إلا صورةٌ من صُورِ التدافعِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وممّا لا شكَّ فيه، أنَّ العالَمَ الإسلاميَّ يعيشُ في هذه الأيامِ هجْمةً شرِسةً منقطعةً النَّظيرِ، أساسُها السيطرةُ على هذه الأمّةِ وأخلاقِها وأجيالِها وعقولِها ومُقدّراتِها وخيراتِها، وغَزْوُها لأجل ذلك عسكريًا وفكريًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا.

ولمّا كان الإسلامُ دينَ العِزّةِ، فلا يَصِحُّ أنْ يكونَ أتْباعُه أذلَّاءَ مستضعَفين، لذا شرَع اللهُ -عز وجل- لهم مواجهةَ أعدائهم بشتّى الطُّرقِ المتاحةِ، سواءٌ أكانت بالطرقِ العسكريةِ أمْ الفِكريةِ أم الثقافيةِ أم السياسيةِ أم غيرِها، ممّا يستخدمُه الكُّفارُ في غَزْوِ هذه الأُمّةِ لإذهابِ عِزِّها، وتوهينِ قُواها، وتصديعِ صفوفِها.

فهذه دعوةٌ لكُلِّ صاحبِ حقٍّ أن يسعى لاستردادِ حقِّه رغم كُلِّ الجراحِ، وكلِّ التضحياتِ، فلقد تحرّك أصحابُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رغم الجراحِ والآلامِ بعدَ غزوةِ أُحُدٍ لِغزوةٍ عُرِفتَ في كُتُبِ السيرةِ بِاسمِ (حمراء الأسد)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ وَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ، قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمُوهُ، وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسْدِ وَبِئْرَ أَبِي عِنَبَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ _ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:172-173]، [أخرجه النسائي في السنن الكبرى، ح/١١٠١٧]، فكانت النتيجةُ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 174]، فليكن شِعارُنا دَوْمًا ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ورحِم اللهُ شهداءَنا وشفى الله جرحانا وردَّنا إلى ديارِنا سالمين غانمين.

مقالات مشابهة

مسيرةُ العوْدةِ بين الغاياتِ العِظامِ والتضحياتِ الجسامِ

منذ 0 ثانية

د. شادي حمزة طبازة - خطيب بوزارة الأوقاف

ما هي مَكانَةُ الأَرْحَامِ والأَقَارِبِ فِي الدِّيْنِ؟

منذ 1دقيقة

د. نمر أبو عون - خطيب بوزارة الأوقاف

هَذا هُوَ الإِسْلامُ.. الْتِحامٌ بِالْجُمْهُورِ وَتَبَنٍّ لِلْهُمُومِ

منذ 2 دقيقة

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

لَا تَحْقِرَنَّ ضَعِيفاً!

منذ 3 دقيقة

أ. علي جمال المنشاوي - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

مسيرةُ العوْدةِ بين الغاياتِ العِظامِ والتضحياتِ الجسامِ

منذ 0 ثانية30
ما هي مَكانَةُ الأَرْحَامِ والأَقَارِبِ فِي الدِّيْنِ؟

منذ 1دقيقة22
ولله على الناس حج البيت

منذ 1دقيقة62
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi