شريط الأخبار

حَقُّنا الشَّرْعِيُّ فِي فِلَسْطِيْنَ

م. أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 237

نَسْمَعُ بَيْنَ الفَيْنةِ والأُخْرى بَعْضَ الشُّبُهاتِ حَوْلَ حَقِّ اليَهودِ فِي فِلَسْطِينَ مِمَّنْ يَقِفونَ عِنْدَ المَعاني الحَرْفِيّةِ والظَّاهِريّةِ لِلْنُّصوصِ دُوْنَ فَهْمٍ ولا فِقْهٍ بِالقُرْآنِ الكَريمِ ويُلبِّسونَ عَلى النَّاسِ المَعانيَ! مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّه مُوْسَى -عَلَيْهِ السَّلامُ- يَقولُ لِقَوْمِهِ بَني إسْرائِيلَ: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:21]، فَكَيْفَ يَكونُ لَنا فِيْها حَقٌّ كَمُسْلِمِينَ وهِيَ بِنَصِّ القُرْآنِ الكَريمِ مَمْنوحةٌ لِلْيَهودِ مِن اللهِ تَعالى؟

وهُنا يَجِبُ الانْتِباهُ لِقَواعدَ مُهِمَّةٍ فِي فَهْمِ المَسيرةِ الدِّيْنيّةِ لِلْبَشَرِيّةِ، وأَنَّ اللهَ تَعالى أَرْسلَ الرُّسُلَ جَمِيعاً بِدِيْنٍ واحِدٍ وعَقيدةٍ واحِدةٍ بِلا تَفْرِقةٍ أو تَعارُضٍ كَما فِي الأدْيانِ الأُخْرى، كُلُّ الرُّسُلِ جاؤُوا بِالتَّوْحِيدِ والتَّسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى كَأساسٍ، وبِالتَّالي كُلُّ الأقْوامِ يَجِبُ أنْ يُؤْمِنوا بِكُلِّ الرُّسُلِ جَميعاً، وإنَّما تَخْتلِفُ "الشَّرائعُ" مِنْ رَسولٍ لِآخَرٍ ومِنْ قَوْمٍ لِآخَرِينَ، والشَّريعةُ هُنا بِمَعْنى "الأحْكامِ التَّفْصيلِيّةِ" ولَيْسَتْ هِيَ الدِّيْنَ أو العَقيدةَ، (فمَثَلاً حُرِّمَ عَلى اليَهودِ أطْعِمةٌ غَيْرُ مُحَرَّمةٍ عَلى النَّصارى.. وَلَكِنَّهُمْ كُلَّهُم عَلى عَقيدةِ التَّوْحِيدِ للهِ والتَّسْليمِ لَهُ إلهً واحداً).

وإنَّما التَّسْمِيةُ بِـ "يَهودٍ" و "نَصارى" فِي القُرْآنِ الكَريمِ هِيَ تَسْمِيةٌ مَجازِيّةٌ؛ لِتَمْيِيْزِهِمْ بِأَفْعالِهم ولِتَمْيِيزِ شَرائعِهم، وبِالتَّالي عِندَما يَأْمُرُ اللهُ اليَهودَ فِي زَمَنِ سَيِّدِنا مُوسى بِدُخولِ الأَرْضِ المُقَدَّسةِ ويَقولُ أنَّه كَتَبَها لَهُمْ.. فَهُوَ يَأْمُرُ عَمَلِيّاً "المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ" مِنْهم، ولَيْسَ اليَهُودَ الحَاليِّينَ الذِينَ حَرَّفوا التَّوْراةَ وناقَضوا التَّوْحِيدَ وكَفَروا بِرَسولِهم مُوسى عِنْدَما كَفَروا بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ولِأَجْلِ هَذا كانَ يَتَعَيَّنُ المُفاصَلةُ التامَّةُ الحَتْمِيَّةُ، فَكَيْفَ وقَدْ صار العُدْوانُ؟!.

إِذَنْ، لَاْ تَناقُضَ أبَداً بَيْنَ هَذا الأَمْرِ لِلْيَهودِ عِنْدَما كَانوا مُؤْمِنِينَ وبَيْنَ أمْرِ اللهِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُم بِدُخولِ المَسْجِدِ الأَقْصى، فَاليَهُودُ خارِجونَ عَنْ أمْرِ اللهِ وعَنْ وَعْدِهِ أنْ تَكونَ الأرْضُ لَهُمْ؛ لأنَّهُم غَيَّروا وبَدَّلوا بَلْ وَحارَبوا الرُّسُلَ ومِنْهُم رَسولُنا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

مُشْكِلةُ البَعْضِ مِنَّا أنَّهُم يَنْظُرونَ لِلْيَهُودِ والنَّصارى اليَوْمَ بِأَنَّهُم الوَرَثةُ الشَّرْعِيّونَ لِمِيْراثِ النَّبِيِّ مُوسى والنَّبِيِّ عِيْسى -عَلَيْهِما السَّلامُ-، وهذا أبْعَدُ ما يَكونُ عَن الحَقِّ؛ فَسَيِّدُنا مُوسى وسَيِّدُنا عِيْسى وكُلُّ الأَنْبِياءِ مَعَ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِم وَسَلَّمَ أجْمَعِينَ- هُمْ كِيانٌ واحِدٌ لِرِسالةٍ إلَهِيّةٍ واحِدةٍ كانَتْ آخِرَ حَلَقاتِها رِسالةُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَبِالتَّالي أتْباعُ مُحَمَّدٍ الذِيْنَ يُؤْمِنونَ بِمُحَمَّدٍ وعِيْسى ومُوسى وجَميعِ الأنْبِياءِ هُمُ الوَرَثةُ الشَّرْعِيّونَ لِكُلِّ الأنْبِياءِ، وَلَيْسَ الذِيْنَ يُؤْمِنونَ بِبَعْضٍ وَيَكْفُرونَ بِبَعْضٍ، وأَيُّ أمْرٍ أَوْ وَعْدٍ لِرَسولٍ فِي أَيِّ زَمَنٍ لِأَتْباعِهِ المُؤْمِنِينَ فهُوَ وَعْدٌ لِلْمُسْلِمِينَ اليَوْمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُم أتْباعُ الأنْبياءِ حَقّاً.

إذا فَهِمْنا هذا الأساسُ، فَبِكُلِّ بَساطةٍ تَزُولُ كُلُّ الإشْكالاتِ التِي يَصْنَعُها أنْصافُ المُتَعَلِّمِينَ بَيْنَ نُصوصِ القُرْآنِ ونُصوصِ التَّوْراةِ ونُصوصِ الإنْجِيلِ عَلى فَرَضِ تَعارُضِها جَدَلاً، وعَلى فَرَضِ صِحَّةِ نُصوصِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ المُحَرَّفَيْنِ، بَلْ ويَزُولُ الإشْكالُ المُزْمِنُ الذِي يَعْتَقِدُهُ البَعْضُ حَوْلَ كَوْنِ اليَهُودِيّةِ والنَّصْرانِيّةِ دِيْناً حَقَّاً مُسْتًقِلَّاً عَن الإسْلامِ، فَاليَهُودِيّةُ والنَّصْرانِيّةُ الحَقيقيَّةُ هُما وَجْهٌ آخَرُ لِلْإسْلامِ تَدْعو لِتَوْحِيدِ اللهِ واتِّباعِ جَمِيْعِ رُسُلِهِ، وأمّا اليَهُودِيَّةُ اليَوْمَ والنَّصْرانِيَّةُ التِي تَعْبُدُ المَسِيْحَ وتُشْرِكُ بِاللهِ ولَاْ تَعْتَرِفُ بِالقُرْآنِ ولا بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ فَهِيَ أدْيانٌ مُحَرَّفةٌ باطِلةٌ.

وإنَّهُ مِنَ الجَهْلِ المُطْبِقِ أنْ نَتَصَوَّرَ إلهًا واحِداً يُرْسِلُ رَسولاً بِدِيْنٍ ثُمَّ يُرْسِلُ رَسولاً آخَرَ بِدِيْنٍ آخَرَ مُخْتَلِفٍ عَنْهُ ومُناقِضٍ لَهُ، أَوْ يُعْطي وَعْداً بِأرْضٍ لِقَوْمٍ ثُمَّ يُعْطي وَعْداً مُناقِضاً لِقَوْمٍ آخَرِينَ، مِمَّا لا يَفْعَلُه بُسَطاءُ النَّاسِ فِي تَعامُلاتِهم، فهَلْ يَلِيْقُ بِأَنْ نَعْتَقِدَ ذلك عَن اللهِ العَظيمِ القَديرِ وهُوَ الإلهُ الواحِدُ فِي كُلِّ العُصورِ والأزْمانِ؟!

مقالات مشابهة

حَقُّنا الشَّرْعِيُّ فِي فِلَسْطِيْنَ

منذ 0 ثانية

م. أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف

آفَةُ الإسْرافِ

منذ 25 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

مَا بَيْنَ غَبَرَةٍ وَغُبَارٍ!

منذ 34 ثانية

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الإصلاح بين الناس

منذ 3 دقيقة

د. عبد الباري محمد خِلَّة - خطيب بوَزارة الأوقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

حَقُّنا الشَّرْعِيُّ فِي فِلَسْطِيْنَ

منذ 0 ثانية237
آفَةُ الإسْرافِ

منذ 25 ثانية322
مَا بَيْنَ غَبَرَةٍ وَغُبَارٍ!

منذ 34 ثانية266
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi