شريط الأخبار

ذنوب الخلوات

د. عبد الباري محمد خِلّة - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 38

الحمدُ للهِ وكَفَى، وسلامٌ على عِبادِه الذين اصطَفى، وبعْدُ:

فيقولُ اللهُ تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:21].

وقال أيضاً: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ [النساء:108]

وقد حذَّرَ النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ ذُنوبِ الخَلْوَةِ والسِّرِّ، فعَنْ ثَوْبَانَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَبَاءً مَنْثُورًا» قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» [رواه ابنُ ماجه بسند صحيح].

وسُئِلَ الجُنَيْدُ: بِمَ يُسْتَعانُ على غَضِّ البَصَرِ؟ قال: "بِعِلْمِكَ أنَّ نَظَرَ اللهِ إليْكَ أَسْبَقُ مِنْ نَظَرِكَ إلى ما تَنْظُرُ إليه".

ولمَّا قالَ رَجُلٌ لوُهَيْبِ ابنِ الوَرْدِ: عِظْني، قال: "اتَّقِ اللهَ أنْ يَكونَ أهْونَ الناظِرِينَ إليك".

يا عبْدَ اللهِ إنَّكَ إذا خَلَوْتَ بمَعْصيةِ اللهِ، فما أنْتَ إلّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمّا رَجُلٌ يَعلَمُ أنَّ اللهَ لا يَراهُ ولا يعلمُ بِحالِه، فهذا كافِرٌ باللهِ العظيمِ لإِنْكارِه عِلْمَ اللهِ تعالى المحيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وإمّا أنَّكَ تَعلمُ أنَّه يَراكَ ومَعَ هذا تَجْترِئُ على معْصِيَتِه، فأنتَ -واللهِ- جَريْءٌ.

وقال سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ -رحِمه اللهُ-: "إنَّ الرَّجُلَ لَيُصيبُ الذَّنْبَ في السرِّ، فيُصْبِحُ وعليه مَذَلَّتُهُ".

وقال غَيْرُه: "إنَّ العَبْدَ لَيُذنِبُ الذنبَ فيما بَيْنَه وبين اللهِ ثُمَّ يَجيءُ إلى إخوانِه فيَرَوْنَ أَثَرَ ذلك عليه".

وقال ذو النُّونِ: "مَنْ خانَ اللهَ في السرِّ هَتَكَ اللهُ سِرَّه في العَلانِيَةِ".

داءُ مَعصيةِ السّرِّ وأَثَرُها على العَبْدِ:

1. عَدَمُ كَمالِ العُبودِيَّةِ، فإذا اسْتَوَتْ سَريرَةُ العَبْدِ وعَلانِيَتُه؛ كان عَبْداً حقًّا.

2. السَّيِّئاتُ في الخَلَواتِ تَنْسِفُ الحَسَناتِ الظاهِراتِ، كما في حَديثِ ثَوْبانَ -رضي اللهُ عنه-.

3. نُفورُ المُؤْمِنينَ مِنْه، وما أسَرَّ عَبْدٌ سَريرَةً إلا أظْهَرَها اللهُ على قَسَماتِ وَجْهِهِ وفَلَتاتِ لِسانِه؛ إنْ خَيْرًا فخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، فمَنْ لَمَحَ نُفورَ الصالِحينَ عنْه وتَباعُدَ المُخْلِصينَ مِنْه فلْيُراجِعْ أعْمالَ سِرِّه.

وقالَ ابْنُ الجَوْزيِّ: "وقد يُخفي الإنسانُ ما لا يَرضاه اللهُ -عزَّ وجلَّ-، فيُظهِرُه اللهُ سُبحانَه عليه ولو بَعْدَ حين، ويُنطِقُ الألسِنةَ به وإن لم يُشاهِدُه الناسُ، ورُبَّما أَوْقَعَ صاحِبَه في آفَةٍ يَفْضَحُه بها بين الخَلْقِ، فيكونُ جَوابًا لكُلِّ ما أخفى مِن الذنوبِ؛ وذلك لِيعلَمَ الناسُ أنَّ هناك مَنْ يُجازي على الزَّلَلِ، ولا يَمنعُ مِنْ قَدَرِه وقُدْرَتِه حِجابٌ ولا اسْتِتارٌ، ولا يُضاعُ لديْه عَمَلٌ ".

4. اكتمالُ التَّقْوى بِصَلاحِ السريرةِ، والتقوى في السرِّ أصعبُ لكنَّ أجْرَها أعظمُ.

5. سُوءُ الخاتِمة، والعياذ بالله!

يقول ابن القيِّم: وقد أجْمَعَ العارِفونَ باللهِ بأنَّ ذُنوبَ الخَلَواتِ هي أصْلُ الانتكاساتِ، وأنَّ عِباداتِ الخَفاءِ هِيَ أعظمُ أَسْبابِ الثَّباتِ، ويقولُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ -رحِمه اللهُ-: "وإنَّ خاتِمَةَ السُّوءِ تَكونُ بِسَبَبِ دَسيسَةٍ باطِنَةٍ للعبدِ لا يَطَّلِعُ عليها النَّاسُ؛ إمَّا مِنْ جِهَةِ عَمَلٍ سَيٍّء ونَحْوِ ذلك؛ فتلك الخَصْلَةُ الخَفِيَّةُ تُوْجِبُ سُوءَ الخاتِمَةِ عِنْدَ المَوْتِ"

دَواءُ معصيةِ السرِّ وكَيْفِيَّةُ التَّخَلُّصِ مِنْها:

1. الالْتِجاءُ إلى اللهِ تعالَى بالدُّعاءِ أنْ يَصْرِفَ عَنْكَ الذنوبَ والمعاصي كُلَّها.

2. مُجاهَدةُ النفْسِ وتَزْكِيَتُها بطاعةِ اللهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].

3. أنْ يَستشعِرَ استِحْياءَهُ مِنَ اللهِ أكْثرَ مِنَ استحيائِه مِنَ الخَلْقِ، وفي الحديثِ عن النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «واستحِ من اللهِ استحياءَك رَجُلاً مِنْ أهلِكَ» [مصنف المَرْوَزِيّ: رقم الحديث 729].

4. تَأَمُّلُ الوَعيدِ الشديدِ الواردِ فِيْها.

5. تَذَكُّرُ المَوْتِ.

6. استشعارُ مُراقَبةِ اللهِ تعالَى، قال ابنُ كَثيرٍ -رحِمه اللهُ-: وقد ذُكِرَ عَنِ الإمامِ أحْمدَ -رحِمه اللهُ- أنَّه كان يَنْشُدُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ، إمّا لَه، أو لِغَيْرِه:

إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا تَقُل ... خَلَوتُ، وَلكن قُل عَليّ رَقيبُ

وَلا تَحْسَبَنَّ الله يَغْفُل ساعةً ... وَلا أنَّ مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيبُ

وأخيراً، اجعلْ بينك وبين اللهِ -عزَّ وجلَّ- طاعةً لا يَعلَمُها إلّا هُوَ ولا يَطَّلِعُ عليها أَحَدٌ سِواك، ولا تتكلمْ عَنْ طاعتِك ولا تُحَدِّثْ بها واجْعلْها خالِصةً للهِ.

مقالات مشابهة

ذنوب الخلوات

منذ 0 ثانية

د. عبد الباري محمد خِلّة - خطيب بوَزارة الأوقاف

المَسْجِدُ الخَدَماتِيُّ!!

منذ 10 ثانية

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

منذ 14 ثانية

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 21 ثانية

د. محمد كمال سالم - خطيب بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

ذنوب الخلوات

منذ 0 ثانية38
المَسْجِدُ الخَدَماتِيُّ!!

منذ 10 ثانية60
إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

منذ 14 ثانية55
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi