شريط الأخبار

الإخلاص

د. عبد الباري محمد خلة - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 125

الحمدُ للهِ وكَفَى، وسلامٌ على عِبادِه الذين اصطَفى، وبعْدُ:

فيقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء [البينة:5]، وتحقيقُ الإِخْلاصِ للهِ أعْظَمُ أُصُولِ الإسلامِ، والإخلاصُ مِنْ أعمالِ القلبِ، وهُوَ شَرْطٌ للإيمانِ وشَرْطٌ لِصِحَّةِ العَمَلِ، حيثُ لا يُقْبَلُ عَمَلٌ أو تُقْبَلُ عِبادَةٌ إلا إذا كانَ الإخلاصُ رائدَها، وقد قالَ بَعْضُهم: "وَدِدْتُ أَنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الفُقَهاءِ مَنْ لَيْسَ له شُغُلٌ إلّا أنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ مَقاصِدَهم في أعمالِهم، ويَقْعُدَ للتَّدْريسِ في أعمالِ النِّيَّاتِ لَيْسَ إلّا، فإنَّه ما أُتِيَ على كَثيرٍ مِنَ الناسِ إلّا مِنْ تَضْييعِ ذلكَ".

والإيمانُ هُوَ: إِقْرارٌ باللِّسانِ، واعْتِقادٌ بالجَنانِ، وعَمَلٌ بالأَرْكانِ.

يقولُ ابْنُ القَيِّمِ -رحِمه اللهُ-: "أعمالُ القلوبِ هي الأصْلُ، وأعمالُ الجوارحِ تَبَعٌ ومُكَمِّلَةٌ، وإنَّ النيّةَ بِمنزِلةِ الروحِ، والعملَ بمنزِلةِ الجَسَدِ للأعْضاءِ، الذي إذا فارقَتْه الروحُ ماتَ، فمعرِفةُ أحْكامِ القلوبِ أهمُّ مِنْ معرِفةِ أحْكامِ الجوارِحِ" [ابن القيم: بدائع الفوائد 3/244].

 وقال شَيْخُ الإسلامِ ابن تيميَّة: "والأعمالُ الظاهِرةُ لا تَكونُ صالِحةً مقبولَةً إلا بتَوَسُّطِ عَمَلِ القلْبِ، فإنَّ القلبَ مَلِكٌ، والأعْضاءَ جُنودُهُ، فإذا خَبُثَ أصبحتْ جنودُه نَكِدَةً ولا بُدّ، ولهذا قال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: «إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً..» إلى آخر الحديث" [ابن تيمية: مجموع الفتاوَى 11/81].

تعريف الإخلاص:

قال العِزُّ بْنُ عبْدِ السلامِ: الإخلاصُ أنْ يَفعلَ المُكَلَّفُ الطاعةَ خالِصةً للهِ وحْدَه، لا يُريدُ بها تعظيماً مِنْ الناسِ ولا توقيراً، ولا جَلْبَ نَفْعٍ دِيْنِيٍّ، ولا دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، [مقاصِد المُكَلَّفين ص: 358].

وسُئِلَ التَّسْتُرِيُّ: أيُّ شَيْءٍ أشدُّ على النفْسِ؟ قال: "الإخلاصُ؛ لأنَّه لَيْس لها فيه نَصيبٌ".

قال اللهُ تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [المُلْك:3]، قال الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ في هذه الآية: "أَحْسَنُ عملاً أي أَخْلَصُه وأَصْوَبُه"، قيل: "يا أبا عليٍّ، ما أَخْلَصُه وأَصْوَبُه؟ "قال: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا ولمْ يَكُنْ صَوابًا لَمْ يُقْبَلْ، وإذا كان صوابًا ولَمْ يَكُنْ خالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حتّى يَكونَ خالِصاً صواباً؛ والخالِصُ أنْ يَكونَ للهِ، والصَّوابُ أنْ يَكونَ على السُّنَّةِ".

والإخلاصُ سَبَبٌ لِعِظَمِ الجَزَاءِ مَعَ قِلَّةِ العَمَلِ لحَديثِ البِطاقَةِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ: "لَيْسَ لك مِنْ صلاتِك إلّا ما عَقَلْتَ مِنْها".

وعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» [رواه أحمدُ بِسَنَدٍ جيد].

شُروطُ قَبولِ العَمَلِ الصَّالِحِ:

1. أنْ يَكونَ العَمَلُ خالِصًا لِوَجْهِ اللهِ تعالَى.

2. أنْ يَكونَ مُوافِقًا لِهَدْيِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-.

قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

ثِمارُ الإِخْلاصِ:

1. مَغْفِرَةُ الذُّنوبِ كما في حديثِ البِطاقَةِ وغَيْرِه.

2. العِصْمَةُ مِنْ الشَّيْطانِ: فمَنْ أخلصَ عَمَلَه للهِ عَصَمَه مِنَ الشيطانِ كما عَصَمَ يُوسُفَ -عليه السلامُ-، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:19].

3. إزاحةُ الهَمِّ والغَمِّ وتَفْريجُ الكُرُباتِ كما في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.

4. نَيْلُ شَفاعَةِ النبيِّ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- قالَ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» [رواه البُخارِيُّ].

5. النَّصْرُ مِنَ اللهِ تعالَى، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ [الأنفال:18].

وهكذا، فإنَّ الإخلاصَ مِنَ الصِّفاتِ التي ينبغي أنْ يتحلّى بها كُلُّ مُسْلِمٍ؛ لأنَّه مِنْ شُروطِ قَبولِ العَمَلِ، أسألُ اللهَ أنْ يَرْزُقَنا والمُسلِمينَ الإخلاصَ في السِّرِّ وَالعَلَنِ، وآخِرُ دعْوانا أنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالَمينَ.

مقالات مشابهة

الإخلاص

منذ 0 ثانية

د. عبد الباري محمد خلة - خطيب بوَزارة الأوقاف

اسْتِعْلاءُ الإِيمَانِ .. لا يُطاوِلُهُ الطُّغْيانُ

منذ 7 دقيقة

أ. صهيب الكحلوت - خطيبٌ بوَزارةِ الأَوْقاف

مِنْ أَسْبَابِ تَفْرِيجِ الكَرْبِ: الاسْتِغْفَارُ

منذ 13 دقيقة

د. محمد كمال سالم - داعية إسلامي

التَّرْبِيَةُ الإِيمَانِيَّةُ

منذ 15 دقيقة

أ. محمود سلامة - خطيب بوَزارة الأَوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الإخلاص

منذ 0 ثانية125
مسجد المركز الإسلامي - خانيونس

منذ 15 ثانية167
مشروع حملة: (بَروا الأمهات والآباء .. فالحياة دَين ووفاء)

منذ 1دقيقة143
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi