شريط الأخبار

الصَّلاةُ .. زادُ الآخِرَةِ

م. أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 217

الصَّلاةُ: رُكْنُ الإسْلامِ الرَّكِينُ وعَمُودُهُ الذِي لا يَقُومُ إلّا بِهِ، قالَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «رَأْسُ الأَمْرِ الإسلامُ، وعَمودُهُ الصَّلاةُ» [رواه الترمذي]، وهُوَ الرُّكْنُ الذِي يُحَقِّقُ عُبودِيّةَ المُسْلِمِ لِرَبِّهِ بِشَكْلٍ يَوْمِيٍّ ودائمٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ، فإذا عُذِرَ المُسْلِمُ فِي تَرْكِ أَرْكانِ الإسْلامِ الأُخْرى كَالحَجِّ والصِّيامِ والزَّكاةِ؛ لِعَدَمِ الاسْتِطاعةِ، فَإِنَّهُ لا يُعْذَرُ في تَرْكِ الصَّلاةِ مَهْما كانَتْ حالُه، ولِأَجْلِ ذلك كانت الصَّلاةُ أوَّلَ ما يُحاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامةِ، قالَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أولُّ ما يُحاسَبُ به العَبْدُ يَوْمَ القِيامةِ الصَّلاةُ، فإنْ صَلَحَتْ صَلَحَ لَهُ سائِرُ عَمَلِهِ، وإنْ فَسَدَتْ فسَدَ سائِرُ عَمَلِهِ» [السِّلْسِلةُ الصَّحِيحةُ لِلْأَلْبانِيِّ].

وقد ربّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَحابتَهُ عَلى أداءِ الصَّلاةِ بِخُشوعٍ تامٍّ يَتَجاوزُ الأداءَ الشَّكْلِيَّ والظاهِريَّ، فقال: «صَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ؛ كأنَّكَ تَراهُ، فإنْ كنتَ لا تَراهُ فإنَّهُ يَراكَ» [صَحيحُ الجامِعِ]، وربّاهم أنْ يَعيشٌوا في صَلاتِهم مَعَ مَوْلاهُم مُناجاةً وحُضوراً، كَيْفَ لا؟! واللهُ تَعالى يُناجي عَبْدَهُ فِي قِراءةِ سُورةِ الفاتِحةِ ويَرُدُّ عَلَيْه فِي كُلِّ آيةٍ، قال رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث القدسي: «قال اللهُ تعالى قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدي نِصْفَيْنِ ولعبدي ما سَأَلَ فإذا قال العبدُ الْحَمْدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ قال اللهُ حَمِدَنِي عبدي وإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال اللهُ أثْنى عليَّ عبدي» [رَواه مُسْلِمٌ].

وَهَكَذا فَهِمَ الصَّحابةُ وسَلَفُ الأُمَّةِ رُوْحَ الصَّلاةِ ورِسالتَها، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعودٍ قال: (ما دُمْتَ فِي صَلاةٍ: فأَنْتَ تَقْرَعُ بابَ المَلِكِ، ومَنْ يَقْرَعْ بابَ المَلِكِ: يُفتَحْ لَهُ)، وقالَ أَهْلُ العِلْمِ: (الصَّلاةُ مِنَ الآخِرةِ، فإذا دَخَلْتَ فِيْها خَرَجْتَ مِنَ الدُّنْيا).

وأَوْصى الرَّسولُ المُصْطَفى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَعْظيمِ اللهِ تَعالى فِي الصَّلاةِ، خاصّةً فِي الرُّكوعِ الذِي يَتَمَثَّلُ فِيْه المُؤْمِنُ مَقامَ التَّعْظيمِ والإجْلالِ لِرَبِّ العالَمِينَ، قال رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ» [صَحيحُ ابْنِ حِبَّانٍ]، وكانتْ أذْكارُ المُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الرُّكوعِ أذْكارَ تَعْظيمٍ وتَقْديسٍ، كَقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «سُبّوحٌ قُدّوسٌ ربُّ الملائكة والروح» و «سُبْحانَ رَبِّيَّ العَظيمِ»، ثُمَّ يَتَحَقَّقُ المُؤْمِنُ بِمَقامِ المَدْحِ والثَّناءِ عَلى اللهِ تَعالى عِنْدَ رَفْعِهِ مِنَ الرُّكوعِ بِالأذْكارِ المَسْنونةِ قائلاً: (ربَّنا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّماءِ ومِلْءَ الأرْضِ ومِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ أَحَقُّ ما قالَ العَبْدُ، وكُلُّنا لَكَ عَبْدٌ).

وفِي السُّجودِ حَيْثُ يَكونُ المُؤْمِنُ أقْرَبَ ما يَكونُ مِنْ رَبِّهِ؛ بِما يُحَقِّقُ فِيْه مِنْ مَعاني التَّذَلُّلِ والخُضوعِ والمَسْكَنةِ لِمَوْلاهُ، أوْصى المُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وأمَّا السُّجودُ فاجْتهِدوا في الدُّعاءِ، فقَمِنٌ أنْ يُستجابَ لكم» [صَحيحُ ابْنِ حِبَّانٍ]، (وقَمِنٌ: أيْ جَدِيرٌ وأحْرى).

ويُحَلِّقُ المُؤْمِنُ فِي صَلاتِه وتَدَبُّرِهِ القُرْآنَ فِي المَلَأِ الأعْلى وَحَدِيْثِ الآخِرةِ والجَنَّةِ والنَّارِ وقَصَصِ الأنْبِياءِ ومَواكِبِ الرِّسالاتِ وأحْداثِ السِّيرةِ، حتَّى أنَّهُ يَعيشُ حادِثةَ الإسْراءِ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى السَّماءِ السَّابِعةِ وسلامِ اللهِ تَعالى عَلَيْه وتَرْحِيبِ المَلائِكةِ بِهِ مِنْ خِلالِ تَرْديدِ "التَّشَهُّدِ" الذي يُعيدُ تَمْثيلَ هذه الحادِثةِ الفَريدةِ، وكأنَّها رِسالةٌ لِلْمُؤْمِنِ بِأنَّه بِصَلاتِهِ وعُبودِيّتِهِ للهِ يَرْتَقي إلى أعْلى المَنازِلِ التي ارْتقاها نَبِيُّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حتى إذا انْتَهى المُؤْمِنُ مِنْ هَذه الرِّحْلةِ الإيمانِيّةِ الرَّفِيعةِ فإنَّه يَعودُ إلى الأرْضِ ويُسَلِّمُ عَلى الكائِناتِ حَوْلَه، بِقَوْلِهِ (السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ).

إنَّ تَحْقيقَ الصَّلاةِ بِهذه المَعاني العِميقةِ هُوَ الذِي يَجْعلُها مُؤَثِّرةً لِلْسُّلوكِ السَّلِيمِ ومُهَذِّبةً لِلْنُّفوسِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عنِ الفَحْشاءِ والمُنكَر﴾ [العَنْكَبُوْت:45]، وهُوَ ما يَجْعلُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقولُ عَنْها «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني في الصَّلاةِ» [رَواهُ الشَّوْكانِيُّ وابْنُ القَيِّمِ فِي زادِ المَعادِ].

وهذا هُوَ ما جَعَلَ السَّلَفَ يَلْتَمِسونَ الحَلاوةَ والإيمانَ فِيْها، فَقَدْ وَرَدَ عَن الحَسَنِ قَوْلُهُ: (تَفَقَّدوا الحَلاوةَ فِي ثَلاثٍ: فِي الصَّلاةِ، وفِي القُرْآنِ، وفِي الذِّكْرِ، فإنْ وَجَدْتُموها، فامْضوا وأبْشِروا، وإنْ لَمْ تَجِدوها، فاعْلَمْ أنَّ بابَكَ مُغْلَقٌ)، نَعوذُ بِاللهِ تَعالى مِنْ حِرْمانِ قُرْبِهِ وحِرْمانِ الوُلوجِ مِنْ بابِهِ.

مقالات مشابهة

الصَّلاةُ .. زادُ الآخِرَةِ

منذ 0 ثانية

م. أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف

الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ.. مَعْنَاهَا وَدَلَالَاتُهَا

منذ 1دقيقة

يحيى نبيه النونو - خطيب بوَزارة الأوقاف

فَضْلُ العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ والأعْمالُ المُسْتَحَبَّةُ فِيْها

منذ 1دقيقة

د. نمر محمد أبو عون - خطيب بوَزارة الأوقاف

تَطْفِيفٌ مُتَعَدِّدُ الاتِّجَاهَاتِ!

منذ 2 دقيقة

أ‌. محمد علي عوض - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الصَّلاةُ .. زادُ الآخِرَةِ

منذ 0 ثانية217
الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ.. مَعْنَاهَا وَدَلَالَاتُهَا

منذ 1دقيقة181
فَضْلُ العَشْرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ والأعْمالُ المُسْتَحَبَّةُ فِيْها

منذ 1دقيقة157
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi