شريط الأخبار

حُقُوقُ الجِوَارِ

د. محمد كمال سالم - خطيب بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ منذ 0 ثانية 1053

إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ تَعَالى أَنْ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، إِذْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ وَاجِبَاتٍ وَحُقُوقاً لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضِ، تَجْمَعُ قُلُوبَهُمْ، وَتُصْلِحُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، لِيَكُونُوا جَسَدًا وَاحِدًا مُتَرَاصًّا مُتَرَابِطًا، وَمِنْ ذَلِكَ حُقُوقُ الجِوَارِ، وَمِنْهَا: أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَبَذْلُ الخَيْرِ لَهُمْ بِالْمُسْتَطَاعِ، وَرَدُّ الشَّرِّ عَنْهُمْ بِالْمَقْدُورِ، وَالتَّلَطُّفُ إِلَيْهِمْ بِالْهَدِيَّةِ وَالزِّيَارَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ المُسْلِمُ خَيْراً يَبْذُلُهُ لِجَارِهِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ كَفِّ الشَّرِّ عَنْهُ، وَلَعَلَّ مِنْ أَبْرَزِ مَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الجَارِ عَلَى جَارِهِ أَنْ يَحْتَرِمَهُ، وَيَحْتَرِمَ حُرِّيَّتَهُ الشَّخْصِيَّةَ، وَلَا يَتَدَخَّلَ فِي خُصُوصِيَّاتِهِ، فَكُلٌّ لَهُ حَيَاتُهُ الخَاصَّةُ وَأَفْكَارُهُ وَحُرِّيَّتُهُ، فَلَا يَعْتَدِي عَلَى حُرِّيَّةِ الآخَرِينَ وَلَا يَفْرِضُ رَأْيَهُ عَلَيْهِمْ، وَكُلَّمَا كَانَ الجَارُ أَقْرَبَ بَابًا كَانَ آكَدَ حَقًّا، كَمَا أَنَّ الإِسَاءَةَ إِلَيْهِ أَشْنَعُ جُرْمًا، وَأَعْظَمُ وِزْرًا.

وَقَدْ أَوْصَى اللهُ تَعَالى بِالإِحْسَانِ إِلَى الجَارِ، وَذَلِكَ فِي سِيَاقِ الدَّعْوَةِ إِلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، هُوَ الإِيمَانُ بِهِ وَعِبَادَتُهُ وَالنَّهْيُ عَنِ الإِشْرَاكِ بِهِ وَكُفْرَانِ نِعَمِهِ، وَالإِحْسَانُ إِلَى فِئَاتٍ أُسَرِيَّةٍ وَمُجْتَمَعِيَّةٍ لَا يَسْتَقِيمُ حَالُ الأُسْرَةِ وَالمُجْتَمَعِ بِدُونِ الإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالرِّفْقِ بِهَا، وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْها بِجَمِيلِ الخِصَالِ وَالفِعَالِ، وَهَذَا يُدَلِّلُ عَلَى وُجُوبِ الإِحْسَانِ إِلَى الجَارِ، وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النِّسَاء:36]، وَالجَارُ المُوْصَى بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ هُوَ الجَارُ القَرِيبُ، الذِي لَهُ حَقَّانِ: حَقُّ الجِوَارِ وَحَقُّ القَرَابَةِ، فَلَهُ عَلَى جَارِهِ حَقٌّ وَإِحْسَانٌ رَاجِعٌ إِلَى العُرْفِ، وَ﴿الْجَارِ الْجُنُبِ﴾، أَيْ: الجَارُ الذِي لَيْسَ لَهُ قَرَابَةٌ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَهَمِّيَّةَ الجَارِ وَمَكَانَتَهُ بِقَوْلِهِ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَرَبَطَ الإِحْسَانَ إِلَى الجَارِ، وَإِكْرَامَهُ، وَعَدَمَ إِيذَائِهِ بِالإِيمَانِ الذِي لَا يَكْتَمِلُ فِي المَرْءِ بِدُونِ ذَلِكَ، فَقَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ - أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِه» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلا يُؤذِ جَارَه» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].

وَحَثَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى المَوَدَّةِ بَيْنَ الجِيرَانِ خَاصَّةً الأَقْرَبُ جَنْبًا، وَتَقْدِيمِ الهَدِيَّةِ التِي تُعَزِّزُ ثَقَافَةَ الحُبِّ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَمَعْنَاهُ: لَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ لِجَارَتِهَا لِاسْتِقْلَالِهَا وَاحْتِقَارِهَا، بَلْ تَجُودُ بِمَا تَـيَسَّرَ وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا كَفِرْسَنِ شَاةٍ -وَهُوَ حَافِرُ الإِبِلِ أَوِ الشَّاةِ- وَهُوَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ، وعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟، قَالَ: «أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].

وَدَعَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى تَفَقُّدِ الجَارِ وَتَعَاهُدِهِ بِالْخَيْرِ وَالزَّادِ، فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَحَذَّرَ الإِسْلَامُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْجَارِ بِأَيِّ سُوءٍ كَانَ، مَادِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، وَغَلَّظَ فِي العُقُوبَةِ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، وَعَنِ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟» قَالُوا: حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَصْحَابِهِ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ»، قَالَ: فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟» قَالُوا: حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ وَالأَرْنَاؤُوطُ].

مقالات مشابهة

حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 1ثانية

د. محمد كمال سالم - خطيب بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

هل حققت المساجد في فلسطين رسالتها؟

منذ 50 ثانية

أ. ماهر عبد الواحد – داعية اسلامي

ما مَوْقِفُ الإِسْلامِ مِنَ الحَرْبِ؟

منذ 1دقيقة

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

المساجد والمنابر رسالة ومنهج  [3-1]

منذ 4 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 1ثانية1053
هل حققت المساجد في فلسطين رسالتها؟

منذ 50 ثانية1262
آداب المسجد للرجال والنساء

منذ 56 ثانية2952
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi