شريط الأخبار

بين الإسلام الفكر الإسلامي

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي منذ 0 ثانية 191

يُعَرِّف البعض الفكر الإسلامي بأنه:  ذلك التصور الناشئ من تفاعل العقل الإسلامي مع النصوص الأزلية الخالدة لهذا الدين المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، أو هو مجموعة العلوم والمعارف القائمة على أسس وموازين إسلامية.

ومن خلال هذين التعريفين يَحسنُ بنا أن ننوه: "أن الفكر الإسلامي عبارة عن إفراز عقلي لذا فهو معرض للخطأ والصواب والقبول والرد".

وبناءً عليه فمن الخطأ أن نستعمل "الفكر الإسلامي" أو "الفكرة الإسلامية" بمعنى الإسلام، فهذا خلط بين "الوحي" الذي هو الإسلام والذي يحمل سمة العصمة والقداسة وبين الفكر الذي ليس هذا شأنه. [انظر: د. محسن عبد الحميد، المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري، ص 18 وتجديد الفكر الإسلامي للمؤلف نفسه، ص42].

وإذا كان الفكر الإسلامي كما يقول الدكتور حسن الترابي: هو التفاعل بين عقل المسلمين وأحكام الدين الأزلية الخالدة، فإن العقل هنا عامل متغير وليس ثابت فهو يتبدل مع صروف الدهر وتراكم المعارف وتنوع التجارب، وكذلك فهو يرى أن الفكر الإسلامي كسب بشري يطرأ عليه ما يطرأ على سائر الحادثات من البلى والتجديد والتقادم.

فالفكر الإسلامي: هو نتاج وانعكاس لمحاولات المسلمين في تنزيل قيم وتعاليم الدين منزل الواقع، فإذا كان جانب قيم الإسلام وتعاليمه تنزع نحو الثبات فإن الواقع يمور بالحركة والتغيرات، ونتيجة لهذه المزاوجة تظهر لنا وسطية الإسلام التي وثقت العلاقة ما بين الفكر والواقع وعلى ضوء ضوابط ومعالم محددة لمجالات تحرك الفكر وضبط لمسيرة ومنهجية هذا الفكر ليضمن له الأصالة في عدم الخروج عن مبادئ الدين أو الزيغ عن قيمه الراشدة، والمعاصرة في عدم مخاصمة الواقع والهروب منه إلى السكون الروحي والتصوف المستنكف.

 كما أنه ليس كل ما أنتجه المسلمون يصح أن نصفه بأنه إسلامي، إنما يُوصف الفكر الملتزم بالإسلامي فقط بأنه إسلامي، وتنطبق هذه الحقيقة على كل إنتاج فني وأدبي أيضاً، كما انطبقت على كل إنتاج فكري؛ فلا نسمي الإنتاج الأدبي بأنه أدب إسلامي، إلا إذا كان ملتزماً بالقيم والموازين الإسلامية.

والفكر الإسلامي لا تجب الطاعة له، إلا بقدر ما فيه من تمثيل لكتاب الله ورسالة السماء، والفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي، هو الفرق بين ما لله وما للإنسان، والصلة بين الأمرين هي الصلة بين شيئين، أحدهما قام على الآخر، واستند إليه في قيامه ووجوده، ولكن لا على أنه يصوره تمام التصوير، أو يكون معبراً عنه تعبير المثل للمثل.

فالفكر الإسلامي لا يخرج عن كونه فكراً إنسانياً في دائرة الإسلام، ودائرة الإسلام، أو دائرة أي دين آخر، لا تحول مطلقاً دون اختلاف الفكر الإنساني، فما دام فكراً إنسانياً وصنعة عقلية للإنسان، فالاختلاف فيه أحياناً ألصق مظاهره وأقربها إليه. ولهذا الاختلاف في الفكر الإسلامي: لا يعبر رأي مفكر في اتجاه من اتجاهاته، ولا رأي حفنة المفكرين في اتجاهاتهم المختلفة عن الإسلام تمام التعبير، لذا سيظل الإسلام نعمة السماء، وسيظل الفكر الإسلامي صنعة الإنسان في أرض المسلمين. ومن يجعل من الفكر الإسلامي هو الإسلام، يجعل في الواقع إسلامات عديدة مختلفة لدين الله الواحد.

لقد كانت بدايات الفكر الإسلامي: قائمة على أساس من الاجتهاد الخالص الحر، لذا وجدنا طابع هذا الفكر الصدق، والانطلاق إلى الأمام، ولا نكاد نلمس فيه خصومة خارجة عن روح النظر السليم بين المختلفين في موضوعاته وقضاياه.

ولكن تطور الفكر الإسلامي الأصيل لم يستمر في اتجاهه الذي سلكه أولاً ولم يستصحب معه مبدأ "الحركة" في سيره، وهو مبدأ الاجتهاد، بل مال إلى اتجاه آخر، وهو الفكر الأجنبي الذي اقتحم الجماعة الإسلامية على عهد المأمون، وفرض نفسه على الحياة الفكرية الإسلامية يومئذ ٍ وبعدئذٍ، وبمشاركة الفكر الأجنبي الإسلام نفسه في تغذية الفكر الإسلامي، لقحت الاتجاهات الفكرية والمذاهب المختلفة في الجماعات الإسلامية ببواعث وغايات أخرى.

ولقد عرفت في الجماعة الإسلامية -بعد ترجمة الفكر الإغريقي الوثني الفلسفي والفكر الشرقي الديني الإشراقي، والبرهمي- علوم المنطق والفلسفة الإلهية والطبيعة والتنسك الإشراقي، لذا لم تنج آثار الفكر الإسلامي من تفسير وفقه وأصول فقه من التأثر بهذه العلوم المترجمة والمستحدثة بعد نقلها إلى اللغة العربية.

 إن الفكر الأجنبي الذي نُقل إلى اللغة العربية لم يقتصر أثره السلبي على توجيه بعض العلوم وجهة أخرى تضاد وجهتها الأصلية، بل تجاوز ذلك كله ليخلق اتجاهات أخرى تناوئ الإسلام، وذلك بما حمله هذا الفكر الدخيل من عناصر فلسفية وثنية وعناصر أخرى برهمية هندية. فهذا الفكر الأجنبي مثلاً حمل معه عقيدة وحدة الوجود الشاملة، وهي أن ما في الكون -مع كثرته- تجلٍّ لشئٍ واحد وتفصيل لموجود واحد، هو العلة والأصل، فهذا المعبود المقدس جوهر الوجود، وحالٌّ في هذه الكثرة اللانهائية من الكائنات المشاهدة.

وبجانب تأثر الفكر الإسلامي بهذا الفكر الدخيل، نلحظ أنه قد وقع في طريق هذا الفكر ما جعله يعجز عن الاستمرار في الحركة البنائية، التي بدأها بداية أصيلة أول ما درج في الحياة، والتي بلغت أوجها عند نهاية القرن الثالث الهجري، حيث أصيب الفكر الإسلامي بعد ذلك بالجمود، وذلك عندما منع الاجتهاد في استنباط الأحكام وفهم النصوص.

تعطَّل إذن الفكر الإسلامي وجمد ونسي القرآن، ونسيت السنة، وانتقل التقويم إلى المذاهب وإلى كتاب الإنسان بعد كتاب الله، وشارك الإنسان الله في عصمة قوله. وشاعت خرافات، وأوهام لا حصر لها في البيئة الإسلامية عرَّضتها بعد قليل للانهيار. ولم يبق الإسلام دين المبادئ التي يعرف بها الأشخاص، إذ أصبح التقديس للأشخاص الذين تعرف بهم المبادئ. ولم يبق دين الجماعة كلها، إذ أصبحت الأمة طوائف ذات مذاهب وعقائد شتى.

ثم ضعفت الدولة وانهارت وسقطت سلطتها العامة على الأقاليم وانقسمت إلى دويلات. فلما ضعفت الجماعة الإسلامية في تفكيرها وفي إيمانها وفي روابطها وفي وحدتها، ضعفاً أغرى بها الغزاة من الخارج، ماتت فيها روح المقاومة فاقتحمها التتار في الشرق وغزاها الصليبيون من الغرب. تلك كان حالها في القرن السابع الهجري وما قبله. [انظر: ليس من الإسلام، للشيخ محمد الغزالي ص135-168].

ولكن بالرغم من كل ذلك يبقى الأمل معقوداً، كي يستعيد الفكر الإسلامي قوته ويرجع إلى أصالته، فلا تخلو مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي من مجددين أو قائم لله بحجة، وقد وجد في أمتنا من تعقَّب مظاهر الانحراف في هذا الفكر وقاومه، ومن أراد أن يتعرف على هؤلاء المجددين، فنوصيه بقراءة كتاب "رجال الفكر والدعوة في الإسلام" للعلامة أبي الحسن الندوي -رحمه الله-. 

مقالات مشابهة

بين الإسلام الفكر الإسلامي

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

التعاون الدعوي

منذ 1ساعة

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

النفس .. "أوصافها وخطورتها على القلب"

منذ 2 ساعة

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

بين الإسلام الفكر الإسلامي

منذ 0 ثانية191
التواصل مع الأقران وغيرهم في حياة الداعية

منذ 7 ثانية281
مسجد أبو بكر الصديق - خانيونس – القرارة

منذ 23 ثانية223
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi