شريط الأخبار

الإِمامُ حَسَنُ البَنَّا مُجَدِّداً

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 32

مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِهَذهِ الأُمَّةِ ودَلائلِ نُصْرَتِهِ لِهَذا الدِّينِ أنْ أوجد المُجدِّدين، حيث قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَبْعَثُ اللهُ تَعالى عَلى رَأْسِ كُلِّ قَرْنٍ مَنْ يُجَدِّدُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ دِينَها» [أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ فِي سُنَنِهِ].

والتَّجْدِيدُ عَمَلِيَّةٌ شُمُولِيَّةٌ يُشارِكُ فِيْها الفَرْدُ وَالجَماعَةُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَهِيَ لَيْسَتْ حِكْراً عَلى زَمَنٍ مُحَدَّدٍ أوْ أشْخاصٍ وَجَماعاتٍ مَحْدُودَةٍ.

وإذا كانَ البَعْضُ يَعْتَبِرُ أنَّ المُجَدِّدِينَ أفرادٌ، فَيُمْكِنُنا القَوْلُ بِأنَّ البَنَّا هُوَ واحِدٌ مِنْ أُوْلَئِكَ المُجَدِّدِينَ، وَلا غَرْوَ فِي ذَلِكَ، فَالإمامُ البَنَّا واحِدٌ مِنْ قَلائلَ جادَتْ بِهِمُ العِنايةُ الإلَهِيَّةُ، فَكانَ أَثَرُ هَذِهِ العِنايَةِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ مِنْ حَرَكاتِهِ، حَيْثُ أفْنَى الرَّجُلُ عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ، فَكانَ حَجْمُ الإنْجازاتِ التِي قَدَّمَها أكْبَرَ مِنْ عُمُرِهِ الزَّمَنِيِّ، فَلا عَجَبَ أنْ نَرى اليَوْمَ حُضُوراً لِلْجَماعَةِ التِي أنْشَأَها الرَّجُلُ فِي أكْثَرِ مِنْ سَبْعِينَ بَلَداً فِي العالَمِ.

هَذا كُلُّهُ حَمَلَ كِبارَ العُلَماءِ وَالمُفَكِّرِينَ فِي العالَمِ أنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالْعِلْمِ وَالجَلالَةِ وَالإبْداع ِالدَّعَوِيِّ، بَل التَّجْدِيدِ.

وَكَوْنُ الإمامِ البَنَّا مُجَدِّداً أَمْرٌ يُنْكِرُهُ بَعْضُ الحاسِدِينَ، أوِ الجاهِلِينَ، الذِيْنَ لا يَعْرِفُونَ قَدْرَ الرَّجُلِ وَمَكانَتَهُ، أمَّا العُلماءُ المُنْصِفُونَ فَلا يَتَرَدَّدُونَ فِي النُّطْقِ بِالْحَقِيقَةِ وَقَوْلِ كَلِمَةِ الحَقِّ.

وَمِنْ هَؤُلَاءِ العُلَماءِ المُنْصِفِينَ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بازٍ -رحِمَه اللهُ-، فَقَدْ سَمِعْتُ المُحَدِّثَ المَكِّيَّ الشَّرِيفَ حاتِمَ بْنَ عارِفٍ العَوْنِيَّ يَقُولُ: كانَ فِي مَدِينَةِ الطَّائِفِ مَسْجِدٌ وَكانَ إمامُهُ يَنْتَمِي لِجَماعَةِ الإِخْوانِ المُسْلِمِينَ، وَكانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُصَلِّينَ مِنَ التَّيَّارِ السَّلَفِيِّ نِزاعٌ، حَيْثُ كانُوا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ أنْ يَصِفَ الإمامَ البَنَّا بِالْمُجَدِّدِ، وَقَدْ قَدَّرَ اللهُ تَعالى لِلْشَّيْخِ ابْنِ بازٍ فِي إحْدَى زِياراتِهِ لِلْطَّائِفِ أنْ يُصِلِّيَ فِي هذا المَسْجِدِ، فَسَأَلَهُ أحَدُهُم قائِلاً: يا شَيْخُ، ما رأْيُكَ فِيمَنْ يَقُولُ بِأَنَّ حَسَنَ البَنَّا كانَ مُجَدِّداً؟ فَأَجابَ العالِمُ المُنْصِفُ: نَعَمٌ، لَقَدْ كانَ مُجَدِّداً فِيما أَصابَ، وَأَسْأَلُ اللهَ أنْ يَغْفِرَ لَهُ فِيما أَخْطَأَ.  

وَمِنْ أَهَمِّ مَظاهِرِ التَّجْدِيدِ فِي دَعْوَةِ الإِمامِ البَنَّا:

1. الشُّمُولِيَّةُ: فَقَد اسْتَنَدَ الإمامُ الشَّهِيدُ حَسَنُ البَنَّا فِي دَعْوَتِهِ إلى أنَّ الدِّينَ الإسْلامِيَّ شامِلٌ لِكُلِّ مَناحي الحَياةِ ولا يَسْتَثْنِي مِنْها ناحِيَةً، فَكانَ فِي ذلك خُرُوجٌ عَلى الفَهْمِ الشَّائِعِ آنَذاكَ.

2. المَنْهَجِيَّةُ: فَقَدَ كانت العَشْوائِيَّةُ هِيَ السَّائِدَةَ فِي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ فِي بِداياتِ القَرْنِ العِشْرِينَ؛ حَيْثَ لَمْ تَكُنْ هُناكَ مَدارِسُ فِكْرِيَّةٌ إسْلامِيَّةٌ قائِمَةٌ بِذاتِها، فَاقْتَصَرَ البَحْثُ وَالتَّجْدِيدُ عَلى الأفْرادِ دُونَ أنْ يَنْجَحَ أَحَدُهُم فِي تَأْسِيسِ مَدْرَسَةٍ مُتَكامِلَةٍ لِلْفِكْرِ الإسْلامِيِّ، وَقَدْ تَنَبَّهَ الإمامُ البَنَّا إلى هَذِهِ السَّلْبِيَّةِ، فَكانَ أنْ دَعا إلى الإسْلامِ وَفْقَ أُسُسٍ وَقَواعِدَ مُحَدَّدَةٍ ساهَمَتْ فِي تَرْسِيخِ الدَّعْوَةِ التِي دَعا إلَيْها رَحِمَهُ اللهُ.

3. التَّسامُحُ فِي العَلاقَةِ مَعَ الآخَرِ: مِنْ أَهَمِّ السِّماتِ التِي طَبَعَتْ فِكْرَةَ الإمامِ الرَّاحِلِ حَسَن البَنَّا التَّسامُحُ وَالتَّصالُحُ مَعَ الآخَرِينَ، والقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيعابِهِم، وقَد اشْتُهِرَ عَنْهُ قَوْلُهُ: "نَتَعاوَنُ فِيما اتَّفَقْنا عَلَيْهِ وَيَعْذُرُ بَعْضُنا بَعْضاً فِيما اخْتَلَفْنا فِيْه".

4. العَوَدَةُ إلى مَنابِعِ السُّهُولَةِ الأُولى الصَّافِيَةِ: وهِيَ القُرْآنُ الكَرِيمُ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطّهَّرَةُ، والاسْتِرْشادُ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصالِحِ بَعِيدًا عَن التَّعْقِيداتِ وَالاخْتِلافاتِ التِي عَصَفَتْ بِعُقُولِ المُسْلِمِينَ خِلالَ قُرُونِ التَّخَلُّفِ وَالانْحِطاطِ، وَهَذا مِنْ أبْرَزِ مَعالِمِ التَّجْدِيدِ.

5. الوُضُوحُ: وفِي هذا يَقُولُ -رَحِمَهُ اللهُ-: "نُحِبُّ أنْ نُصارِحَ النَّاسَ بِغايَتِنا، وأنَ نُجَلِّيَ أمامَهَم مَنْهَجَنا، وأنْ نُوَجِّهَ إلَيْهِم دَعْوتَنا، فِي غَيْرِ لُبْسٍ ولا غُمُوضٍ، أَضْوَأَ مِنَ الشَّمْسِ، وأَوْضَحَ مِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ، وأَبْيَنَ مِنْ غُرَّةِ النَّهارِ".

6. التَّمَيُّزُ بَيْنَ المُقَدَّسِ المَعْصُومِ وَبَيْنَ التُّراثِ الفِكْرِيِّ: عَلَيْنا أنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ النَّصِّ المَعْصُومِ -القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ- وَبَيْنَ ما خَلَّفَهُ السَّلَفُ لِلْخَلَفِ مِنْ عُلُومٍ -تُراثٍ-، فَالنَّصُّ أصْلاً لا يَدْخُلُ تَحْتَ مُسَمَّى التُّراثِ، فَهُوَ يَأْخُذُ صِفَةَ العِصْمَةِ، بِخِلافِ ما تَفَتَّقَتْ عَنْهُ عُقُولُ المُسْلِمِينَ مِنْ عُلُومٍ بَعْضُها أَثَرٌ مِنْ آثارِ فَهْمِ النَّصِّ، فَهذا كُلُّهُ لا عِصْمَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ داخِلٌ فِي دائِرَةِ الاجْتِهادِ وَالتَّجْدِيدِ، وَهَذا ما أَكَّدَهُ الإمامُ البَنَّا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.

مقالات مشابهة

الإِمامُ حَسَنُ البَنَّا مُجَدِّداً

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الأَخْذُ بِالأَسْبَابِ فِي حَياةِ الأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ

منذ 56 ثانية

أ. سليمان أبو ستة - خطيبٌ بِوَزارةِ الأَوْقافِ

الرُّجُولَةُ

منذ 2 دقيقة

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الإِمامُ حَسَنُ البَنَّا مُجَدِّداً

منذ 0 ثانية32
من أدوية القلب المريض: الاستغفار

منذ 4 ثانية48
مسجد الأمين - الرمال الجنوبي

منذ 18 ثانية40
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi