شريط الأخبار

المَسْجِدُ الخَدَماتِيُّ!!

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 60

لقَدْ كانَ بِناءُ المَسْجِدِ مِنْ أوائِلِ الأعْمالِ التِي قامَ بِها سَيِّدُنا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهُوَ يُؤَسِّسُ دَوْلَتَهُ، وعَلى الرَّغْمِ مِنْ أنَّ مَسْجِدَهُ كانَ مُتَواضِعًا فِي بِنائِهِ، إلَّا أنَّهُ كان انْطِلاقةً قَوِيَّةً لِدَوْلَةٍ حَمَلَتْ رِسالةَ الرَّحْمَةِ لِلْعالَمِينَ.

المَسْجِدُ فِي وَعْيِ المُسْلِمِينَ أكْبَرُ مِنْ أنْ يَكُونَ مَكانًا لِأداءِ الصَّلَواتِ فَحَسْبُ، فَالْمَسْجِدُ لَهُ أدْوارٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ الذِي يُعَدُّ النَّمُوْذَجَ الأسْمى لِلْمَساجِدِ الإسْلامِيَّةِ كانَتْ تُؤَدَّى فِيْهِ الصَّلَواتُ المَفْرُوضَةُ، ويَتَحَدَّثُ خَطِيبُهُ عَنْ مُشْكِلاتِ المُجْتَمَعِ ويَقْتَرِحُ الحُلُولَ، وكانَ فِيْهِ مَكانٌ يَنامُ فِيْهِ الفُقَراءُ مِنْ أهْلِ الصُّفَّةِ، فَهُوَ بمثابة مأوى لِلْمُحْتاجِينَ الذين لا مأوى لهم، وفِي مَوْسِمِ جَنْيِ النَّخِيلِ كانَ أصْحابُ البَساتِينَ يَتَبَرَّعُونَ بِأقْناءِ البَلَحِ ويُعَلِّقُونَها فِي المَسْجِدِ؛ لِيَأْكُلَ مِنْها الفُقَراءُ، وقَدْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة:267]؛ لِيَنْهى الأغْنِياءَ عَن التَّصَدُّقِ بِالْبَلَحِ الرَّدِيْءِ، وحِيْنَما أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ ضَرَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَيْمةً فِي المَسْجِدِ؛ لِعِلاجِهِ.

وأمَّا الجانِبُ التَّعْلِيمِيُّ: فَكَانَت المَسَاجِدُ تُشَكِّلُ مَدارِسَ عِلْمِيَّةً وتَرْبَوِيَّةً، خاصَّةً إذا كان إمامُ المَسْجِدِ مِنْ أهْلِ الفِقْهِ والعِلْمِ، وبَعْضُها كان يُشَكِّلُ جامِعًا وجامِعةً كَالأزْهَرِ فِي مِصْرَ، إضافةً لِكَوْنِ المَساجِدِ المَكانَ الأشْهَرَ لِتَعْلِيمِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.

وداخِلَ المَسْجِدِ كان المُسْلِمُونَ يَحْتَفِلُونَ بِالْمُناسَباتِ الدِّيْنِيَّةِ المُخْتَلِفةِ، فقَدْ جاءَ الأحْباشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِم فِي يَوْمِ العِيدِ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، والرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَنْظُرُ إلَيْهِم، ومِنْ خَلْفِهِ كانَتْ زَوْجُهُ عائِشةُ -رضِيَ اللهُ عَنْها- تُشاهِدُ العَرْضَ.

وفِي المَسْجِدِ كانَتْ تُسْتَغَلُّ الطَّاقاتُ المُخْتَلِفةُ، فَهُناكَ امْرَأَةٌ سَوْداءُ تَقُومُ بِتَنْظِيفِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ (تُقِمُّهُ)، وكانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الرَّجُلُ الكَفِيفُ يُؤَذِّنُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ، وفِي بِنائِهِ شارَكَ الجَمِيعُ بِما فِيْهم قائِدُ الأُمَّةِ مُحَمَّدُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكانَت المُمَرِّضُةُ أو الطَّبِيبةُ المُشْرِفةُ عَلى خَيْمةِ التَّمْرِيضِ الصَّحابِيَّةَ رُفَيْدةَ.

قَدْ يَكُوْنُ أحَدُ الاعْتِراضاتِ عَلى الدَّوْرِ الخَدَماتِيِّ لِلْمَسْجِدِ اليَوْمَ أنَّ الحَياةَ لَمْ تَكُنْ مُتَطَوِّرةً ومُتَخَصِّصةً فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ مَكانُهُ المُخَصَّصُ فِي هذه الأيَّامِ، فَهُناكَ المُسْتَشْفَى والمَدْرَسةُ والفُنْدُقُ والمَأْوى وغَيْرُها مِنَ الأَماكِنِ المُجَهَّزَةِ بِالْإِمْكانِيَّاتِ التِي لا تَتَوَفَّرُ فِي المَسْجِدِ، وهَذا الاعْتِراضُ صَحِيحٌ ولَهُ اعْتِبارُهُ، خاصَّةً فِي الدُّوَلِ القَوِيَّةِ التِي تَقُومُ بِكُلِّ ما هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْها، لَكِنْ حِيْنَما يَزْدادُ عَدَدُ المُحْتاجِينَ وتُقَصِّرُ الدَّوْلَةُ أوْ تَعْجِزُ وتَبْقى خَدَماتٌ شاغِرَةٌ، فَهُنا يَتَقَدَّمُ المَسْجِدُ انْطِلاقًا مِنْ دَوْرِهِ الخَدَماتِيِّ مُسْتَثْمِرًا لِطاقاتِ رُوَّادِهِ فِي الخَيْرِ، مَعَ ضَرُورَةِ ألَّا يَقُومَ المَسْجِدُ بِأَيِّ دَوْرٍ قَدْ يُسِيءُ لِرِسالَتِهِ، أو لا تَكْفِي لَهُ إمْكانِيَّاتُ المَسْجِدِ.

وهُنا أَوَدُّ أنْ أُسَجِّلَ إعْجابِي بِبَعْضِ مَساجِدِ اليَوْمِ التِي تَسْعى لِإِحْياءِ رِسالَةِ المَسْجِدِ الخَدَماتِيَّةِ، داعِيًا إيَّاها أنْ تُواصِلَ جُهُودَها، فَبَيْنَ الفَيْنَةِ والأُخْرى نَسْمَعُ عَنْ حَمْلاتِ تَبَرُّعٍ بِالْدَّمِ تَنْطَلِقُ مِنَ المَساجِدِ، ومَشارِيعَ لِكِسْوَةِ الفُقَراءِ والمُحْتاجِينَ خاصَّةً فِي فَصْلِ الشِّتاءِ، وتُنَظِّمُ بَعْضُ المَساجِدِ أيَّامًا طِبِّيَّةً مَجَّانِيَّةً، ويَتَحَرَّكُ المُصَلُّونَ فِي حَمْلاتٍ تَطَوُّعِيَّةٍ لِتَنْظِيفِ بَعْضِ الشَّوارِعِ أوْ تَشْجِيرِها، أوْ مُساعَدَةِ الفُقَراءِ.

إنَّ المَسْجِدَ فِي الإسْلامِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَكانًا لِجَمْعِ المُسْلِمِينَ وَرَصِّ صُفُوْفِهِم، لِذَلِكَ يَحْسُنُ بِالْقائِمِينَ عَلى المَساجِدِ أنْ يَنْتَبِهُوا إلى ضَرُورَةِ تَجْنِيبِ المَسْجِدِ كُلَّ ما يُثِيرُ النِّزاعاتِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وأنْ يُشَكِّلَ المَسْجِدُ نَمُوذَجًا لِلْمُؤَاخاةِ وَالْوَحْدَةِ، وأنْ تَتَوَحَّدَ الجُهُودُ؛ لِيَكُوْنَ المَسْجِدُ إشْعاعًا لِلْخَيْرِ والعَطاءِ.

مقالات مشابهة

المَسْجِدُ الخَدَماتِيُّ!!

منذ 0 ثانية

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

منذ 4 ثانية

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 11 ثانية

د. محمد كمال سالم - خطيب بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

مَاذَا بَعْدَ رَمَضَانَ؟

منذ 17 ثانية

أ. محمد شفيق السرحي - خطيب بوَزارة الأوقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

المَسْجِدُ الخَدَماتِيُّ!!

منذ 0 ثانية60
إنَّما جُعِلَ الصِّيامُ مِنَ أجْلِ الإنْسانِ!!

منذ 4 ثانية55
حُقُوقُ الجِوَارِ

منذ 11 ثانية42
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi