شريط الأخبار

أَزْمَةُ الفَهْمِ وعَلاقَتُها بِالْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 180

إنَّ مِنَ الآفاتِ الخَطِيرةِ التِي ابْتُلِيَ بِها المُجْتَمَعُ الإسْلامِيُّ (آفَةَ الغُلُوِّ)، هذه الآفةُ التِي تَضْرِبُ فِي جُذُورِها إلى عَصْرِ الخَوارِجِ، بَلْ لا نُبالِغُ إذا قُلْنا: إنَّ رائِدَ الغُلاةِ (ذُو الخُوَيْصِرَةِ) الذِي قالَ لِلْنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اعَدِلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَإنِّي أَراكَ لَمْ تَعْدِلْ".

والغُلاةُ قَوْمٌ يَبْدَأُونَ بِالْتَّكْفِيرِ ويَنْتَهُونَ إلى التَّفْجِيرِ، غَلَوْا فِي الدِّيْنِ فَهْمًا وتَطْبِيقًا؛ فَأساءُوا مِنْ حَيْثُ أرادُوا الإحْسانَ وأفْسَدُوا مِنْ حَيْثُ أرادُوا الإصْلاحَ، حَصَرُوا التَّدَيُّنَ فِي نِطاقٍ لا يَعْدُونَه، وأرادُوا أنْ يَأْطِرُوا النَّاسَ عَلى مَذْهَبِهم ووَصَلَ بِهِمُ الحالُ إلى تَكْفِيرِ العامِّ والخاصِّ، حتَّى العُلماءِ المُخْتَلِفِينَ مَعَهُم فِي الرَّأْيِ والمَنْهَجِ.

وإنْ كانَتْ آفَةُ الغُلُوِّ قَدِيمةً -حَيْثُ لَمْ تَخْلُ مِنْها مَرْحَلَةٌ مِنْ مَراحِلِ تارِيخِ أُمَّتِنا- إلَّا أنَّها تَفاقَمَتْ فِي العُقُودِ الأَخِيرَةِ، ومَعَ إشْراقِ تَيَّارِ الصَّحْوَةِ الإسْلامِيَّةِ المُبارَكَةِ، هذه الصَّحْوَةُ وإنْ كانَتْ رَحْمةً مِنَ اللهِ بِهذهِ الأُمَّةِ، إلَّا أنَّها تَبْقى جُهْدًا بَشَرِيًّا يُصِيبُهُ ما يُصِيبُ أيَّ جُهْدٍ بَشَرِيٍّ آخَرَ مِنْ أحْوالٍ وأطْوارٍ صِحِّيَّةٍ أوْ مَرَضِيَّةٍ، لِذَا؛ كانَ الغُلُوُّ هُوَ واحِداً مِنَ الآفاتِ التِي ابْتُلِيَ بِها فَرِيْقٌ مِنْ تَيَّارِ هَذهِ الصَّحْوةِ، لاسِيَّما عِنْد الشَّبابِ.

والمُتَأَمِّلُ فِي واقِعِنا المُعاصِرِ يَكْتَشِفُ أنَّ المُشْكِلةَ لَيْسَتْ قاصِرَةً عَلى المُسْلِمِينَ، بَلْ أصْبَحَتْ مِنَ السِّماتِ الظاهِرَةِ فِي هذا العَصْرِ، إذْ صارَ فِي كُلِّ بَلَدٍ وفِي كُلِّ حَضارَةٍ طَوَائِفُ عُرِفَتْ بِتِلْكَ الأعْمالِ، وتَخْتَلِفُ طَبِيعَةُ كُلِّ فِئَةٍ بَحَسْبِ الحَضارةِ، أو الدِّيْنِ والمَذْهَبِ الذِي يَعْتَنِقُهُ أفْرادُها، وعَلى الصَّعِيدِ الإسْلامِيِّ لَمْ تَعُدِ المُشْكِلَةُ قاصِرَةً عَلى بَلَدٍ واحِدٍ، بَلْ أصْبَحَتْ مُشْكِلَةً عالَمِيَّةً تَشْمَلُ جَمِيعَ أرْجاءِ الوَطَنِ الإسْلامِيِّ، وهِيَ مَطْرُوحَةٌ عَلى السَّاحةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ البِلادِ الإسْلامِيَّةِ، لَكِنَّها تَتَفاوَتُ فِي الحِدَّةِ، فَهِيَ فِي بَعْضِ البُلْدانِ أكْبَرُ وأظْهَرُ مِنَ البَعْضِ الآخَرِ، وهَذا يَعُودُ إلى قُوَّةِ العَوامِلِ المُسَبِّبَةِ لِهَذهِ المُشْكِلَةِ وضَعْفِها فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ البِلادِ الإسْلامِيَّةِ.

ومِنْ خِلالِ وُقُوفِي عَلى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الدِّراساتِ، فَضْلاً عَنْ تَجْرِبَتِي الدَّعَوِيَّةِ التِي تَزِيدُ عَلى ثَلاثِة عُقُودٍ ونِصْفٍ، وَصَلْتُ إلى قَناعَةٍ راسِخَةٍ أنَّ السَّبَبَ الرَّئِيسَ وَالمَرْكَزِيَّ والأَهَمَّ لِهَذِهِ الآفةِ هُوَ: أزْمَةُ فَهْمِ النُّصُوصِ لَدى هذه الجَماعاتِ، والتِي عَبَّرَ عَنْها شَيْخُنا العَلَّامَةُ الدُّكْتُورُ يُوْسُفُ القَرَضاوِيُّ، بِـ (ضَعْفِ البَصِيرَةِ وقِلَّةِ التَّفَقُّهِ فِي الدِّيْنِ)، وهذا يُؤَكِّدُ أنَّ آفَةَ الغُلاةِ تَكْمُنُ فِي عُقُولِهِم الضَّيِّقَةِ، ولَيْسَ فِي دِيْنِهم وتَدَيُّنِهم، فَرُبَّما تَجِدُهُم مِنْ أكْثَرِ النَّاسِ عِبادَةً مِنْ صَلاةٍ وصَوْمٍ وقِيامٍ، وَهَذا ما اتَّصَفَ بِهِ أوَّلُ كِيانٍ وتَجَمُّعٍ مُنَظَّمٍ لِلْغُلاةِ فِي التَّارِيخِ الإسْلامِيِّ، وَهُمُ الخَوَارِجُ، حَيْثُ وَصَفَهم النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الحَدِيثِ الذِي رَواهُ الإمامُ البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» [رواه البخاري].

فَهَذا الحَدِيثُ يَكْشِفُ لَنا أنَّهم كَانُوا أهْلَ عِبادَةٍ وَتَنَطُّعٍ فِي الخُشُوعِ والزُّهْدِ، حَتَّى قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رحِمَه اللهُ- فِي كِتابِ (مِنْهاجُ السُّنَّةِ): "وَلَيْسَ فِي أهْلِ الأهْواءِ أصْدَقُ ولا أعْبَدُ مِنْهُم"، ولَكِنْ بِالْرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذِهِ العِبادَةِ، إلَّا أنَّهُم ابْتُلُوا بِضَعْفِ البَصِيرَةِ وسَفَهِ الرَّأْيِ، وَرَدَاءَةِ العَقْلِ، وَسُوْءِ الفَهْمِ عَن اللهِ –تَعالى-، وَهَذا ما أَشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ الذِي أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عَلِيٍّ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَة» [أخرجه البخاري].

وَهَكَذا، فَإنَّ أكْثَرَ هَؤُلَاءِ مِنَ الشَّبابِ الحَدِيثَةِ أسْنانُهُم، وهَذا نَتِيجَتُهُ سَفاهَةُ أحْلامِهِم، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّسَرُّعِ فِي إطْلاقِ الأحْكامِ، حَيْثُ يَنْتُجُ مِنْ سُوءِ الفَهْمِ لِلْنُّصُوصِ، والمُجازَفَةِ فِي تَأْوِيلِها بِغَلَبَةِ الهَوَى، بِالْرَّغْمِ مِنْ أنَّهُم يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ البَرِيَّةِ، فَهُمْ مِنْ حَفَظَةِ القُرْآنِ وَمَا أكْثَرَ ما يَسْتَشْهِدُونَ بِهِ!!، لَكِنَّهُ لِلْأَسَفِ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُم، فَمَثَلُهُم كَمَثَلِ الآلَةِ الحافِظَةِ، لا يَغُوصُونَ فِي أعْماقِ النُّصُوصِ فَيَلْتَقِطُونَ الدُّرَرَ مِنْها، بَلْ إنَّهُم يَجْمُدُونَ عَلى ظَوَاهِرِها ومَبانِيْها، ويُهْمِلُونَ مَعانِيَها، كَما حَدَثَ عِنْدَما خَرَجُوا عَلى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّاْ للهِ [يُوْسُف:40]، فَقالَ لَهُم عَلِيٌّ: "كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ".

قَالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي بَيانِ بِدْعَةِ الخَوَارِجِ: "إنَّما هِيَ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِم لِلْقُرْآنِ لَمْ يَقْصِدُوا مُعارَضَتَهُ لَكِنْ فَهِمُوا مِنْهُ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَظَنُّوا أنَّهُ يُوْجِبُ تَكْفِيرَ أرْبابِ الذُّنُوبِ".

مِنْ خِلالِ ما تَقَدَّمَ، يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ سُوءَ الفَهْمِ والتَّعامُلَ مَعَ النُّصُوصِ بِمَنْهَجِيَّاتٍ غَيْرِ عِلْمِيَّةٍ يُؤَدِّي إلى نَتائِجَ خَطِيرَةٍ يُمْكِنُ أنْ تَلْحَقَ بِالْفِكْرِ الإسْلامِيِّ وَتُشَوِّهَ الدِّيْنَ الصَّحِيْحَ، ثُمَّ سَيَدْفَعُ المُجْتَمَعُ كُلُّهُ الثَّمَنَ غالِيًا بَعْدَ ذلكَ، فَالْخَوَارِجُ أوْصَلَهُم سَفَهُهُم وَتَسَرُّعُهُم فِي التَّعامُلِ مَعَ النُّصُوصِ إلى التَّكْفِيرِ، وَالقَتْلِ وَاسْتِحْلالِ الدِّماءِ البَرِيئَةِ.

وما أشْبَهَ اليَوْمَ بِالْبارِحَةِ، فَها هُوَ العالَمُ الإسْلامِيُّ عادَ مِنْ جَدِيدٍ يَدْفَعُ أثْمانًا كَبِيرَةً وتَكاليفاً باهِظةً؛ بِسَبَبِ مَوْجَةِ الغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ التِي اجْتاحَتْ كَثِيرًا مِنَ البُلْدانِ الإسْلامِيَّةِ، والتِي يَرْجِعُ سَبَبُها أيْضًا إلى سُوءِ الفَهْمِ وقِلَّةِ الفِقْهِ فِي الدِّيْنِ.

مقالات مشابهة

أَزْمَةُ الفَهْمِ وعَلاقَتُها بِالْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

المساجد والمنابر رسالة ومنهج  [3-1]

منذ 56 ثانية

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الخَوْفُ مِنَ اللهِ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ

منذ 1دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

مَحبَّةُ الرَّسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

منذ 3 دقيقة

د. عبد الباري محمد خِلّة - خطيب بوَزارة الأوقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

أَزْمَةُ الفَهْمِ وعَلاقَتُها بِالْغُلُوِّ وَالتَّطَرُّفِ

منذ 0 ثانية180
حول الخطاب المسجدي يوم الجمعة (ملامح إصلاحية)

منذ 8 ثانية249
مسجد الإمام الشافعي - غرب خانيونس

منذ 13 ثانية340
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi