شريط الأخبار

تَكَفُّلُ اللهِ بِالْرِّزْقِ .. كَيْفَ يَكونُ؟

أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 259

إِنَّ ما نُعانِيْهِ مِنْ نَكَدِ العَيْشِ والتَّسَخُّطِ عَلى أَقْدارِ اللهِ وتَضْخِيْمِنا لِمُشْكِلةِ البَطالةِ، يَكْمُنُ جُزْءٌ كَبيرٌ مِنْ أسْبابِه فِي أَنَّنا نَعْتقِدُ أَنَّ الرِّزْقَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَنا فِي مَوْعِدٍ مُحَدَّدٍ مُسْبَقاً فِي أذْهانِنا وَبِمُسْتوىً مُحَدَّدٍ مُسْبَقاً فِي عُقولِنا !

فَإذا تَخَرَّجَ طالِبٌ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَهُ رِزْقُهُ عَلى شَكْلِ وَظِيفةٍ بِراتِبٍ مُجْزٍ في مَوْعِدِ شَهْرٍ أوْ شَهْرَيْنِ مِنْ تَخَرُّجِهِ كَأَقْصى تَقْدِيرٍ، فَإذا جاءَهُ مَصْدَرُ دَخْلٍ آخَرُ عَلى شَكْلِ عَمَلٍ يَوْمِيٍّ أو صَنْعةٍ حِرَفِيَّةٍ، أَوْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ الوَظِيفةُ لِسَنةٍ أوْ أكْثرِ، وَقَعَ التَّبَرُّمُ والزَّعَلُ والاعْتِراضُ عَلى قَدَرِ اللهِ واعْتَبرَ أَنَّ رِزْقَهُ لَمْ يَأْتِهِ بَعْدُ!.

إِنَّ تَكَفُّلَ اللهِ بِالرِّزْقِ لِكُلِّ العِبادِ لَاْ يَعْني أَنْ يَكونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا مِلْيونِيراً أَوْ صاحِبَ وَظيفةٍ راقِيةٍ، بَلْ هُوَ -سُبْحانه تعالى- يُقسِّمُ الرِّزْقَ كَما يُريدُ وبِالمُسْتوى الذِي يُقَدِّرُهُ بِحِكْمتِهِ، وَلَيْسَ كَما أُريدُ أنا بِطَمَعي!

واللهُ تَعالى يَقولُ: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزُّخْرُف:32]، فَالمُشْكِلةُ فِيْنا نَحْنُ بِأَنَّنا نُقَسِّمُ لِأَنْفُسِنا ما نَظُنٌّ أنه يَجِبُ أَنْ يَكونَ عَلَيْه رِزْقُنا، نَتَمَسَّكُ بِالشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ الآيةِ ونَنْسى قَوْلَه تَعالى في الشِّقِّ الآخَرِ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزُّخْرُف:32]، هذه القِسْمةُ التِي تَأْتِي حَتْماً فِي إطارِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:27]، فَيَجِبُ عَلَيْك أَخِي المُؤْمِنَ أَنْ تَتعامَلَ مَعَ القَضيّةِ بِهذا الأساسِ، ولَاْ تَنْسُجْ لِنَفْسِكَ خَيالاتٍ فَتُحاكِمَ نَفْسَكَ وَمُجْتَمَعَكَ عَلى أساسِها.

ثُمَّ إِنَّ الرِّزْقَ الذِي تَكَفَّلَ اللهُ بِهِ لِجَميعِ النَّاسِ لَيْسَ مَحْصوراً فِي المالِ والمُسْتوى المَعيشِيِّ المادِّيِّ، بَلْ هُوَ يَشْمَلُ كُلَّ ما يَحْتاجُهُ الإنْسانُ فِي حَياتِه وآخِرتِهِ مِنَ الإيمانِ والعَقْلِ والفِقْهِ والوَعْيِ والعِلْمِ والتَّأْثيرِ والمَكانةِ وحُبِّ النَّاسِ والصِّحَّةِ والقُوَّةِ والأَوْلادِ والزَّوْجةِ الصَّالِحةِ والتَّوْفيقِ والسَّدادِ، إلى قائمةٍ طَويلةٍ لَاْ حَصْرَ لَها مِنَ النِّعَمِ المَعْنويّةِ التِي كُلُّها رِزْقٌ مَوْهوبٌ مِنَ اللهِ تَعالى نَتَغافَلُ عَنْها وَكَأَنَّها لَاْ تَسْتَحِقُّ الاعْتِرافَ بِفَضْلِ اللهِ تَعالى ونِعْمَتِهِ فِيْها، وَقَدْ يَكونُ رِزْقُكَ فِي الإيمانِ الذِي يُقَرِّبُكَ مِنَ اللهِ وَفِي الفِقْهِ والوَعْيِ الذِي يَرْفَعُ دَرَجتَكَ فِي الآخِرةِ، بَيْنَما رِزْقُ غَيْرِكَ فِي المالِ وحْدَه الذِي يُشْغِلُهُ عَن اللهِ والآخِرةِ، قالَ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أخْلاقَكُمْ كَما قَسَمَ بَيْنَكم أرْزاقَكُمْ، وإنَّ اللهَ يُؤتي المالَ مَن يُحِبُّ ومَن لا يُحِبُّ، ولا يُؤتي الإيمانَ إلَّا مَن أحَبَّ، فإذا أحَبَّ اللهُ عَبْدًا أعْطاهُ الإيْمانَ» [صحيحُ الأَلْبانِيِّ].

وَإِنَّ (البَرَكةَ الإيمانِيّةَ) التِي يَغْرِسُها فِيْنا دِيْنُنا فِي أنواعِ الرِّزْقِ المُخْتلِفةِ لَيْسَتْ بَديلاً عَن الأَخْذِ بِالأسْبابِ والسُّنَنِ الكَوْنِيّةِ، ولا يُعْتبَرُ الحَديثُ عَنْها تَعْبيراً عَن العَجْزِ ولا هُروباً مِن الواقِعِ وعَيْشاً فِي الخَيالِ، لَكِنَّها حَقيقةٌ لَاْ يَعِيْها أصْحابُ النَّظْرةِ المادّيّةِ الصَّرْفَةِ، بَلْ وَيُحاوِلُ إخْفاءَها والتَّهَرُّبَ مِنْها المَحْرُومُ الذِي يُقَيِّدُهُ التَّصَوُّرُ المادِّيُّ لِلْحَياةِ ويَفْشَلُ فِي مُعايَشةِ المَعاني الإيمانِيَّةِ، أَمَّا المُؤْمِنُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِالأسْبابِ والسُّنَنِ الكَوْنِيّةِ في الحصول على الرزق وكَأَنَّها كُلُّ شَيْءٍ، وفِي نَفْسِ الوَقْتِ يُرْجِعُ ذلكَ كُلَّه إلى اللهِ تَعالى وَيَرْبِطُهُ إيمانِيَّاً بِقِسْمةِ اللهِ وكَأَنَّ الأسْبابَ لا شيءَ.

وحتَّى تَنْعَمَ بِحياةِ الطُّمَأْنينةِ والاستقرارِ والرِّضى بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وقِسْمَتِهِ لِلْأرْزاقِ، فإِنَّ هذه المَعاني السابِقة لا تَحتاج سِوى إلى :

- يَقينٍ قَلْبِيٍّ.

- حُسْنِ ظَنٍّ بِاللهِ.

 -رِياضةٍ إيمانِيّةٍ.

مقالات مشابهة

تَكَفُّلُ اللهِ بِالْرِّزْقِ .. كَيْفَ يَكونُ؟

منذ 0 ثانية

أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف

الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ.. وَدُرُوسُ الوَلَاءِ وَالانْتِمَاءِ

منذ 1دقيقة

أحمد علي أبو العمرين - خطيب بِوَزارةِ الأَوْقَافِ

مَعَالمُ الرُّجُولَةِ

منذ 2 دقيقة

د. نمر محمد أبو عون - خطيب بوزارة الأوقاف

نَماذِجُ مِنْ مَواقِفِ الرِّجالِ

منذ 4 دقيقة

د. نمر محمد أبو عون - خطيب بوزارة الأوقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

تَكَفُّلُ اللهِ بِالْرِّزْقِ .. كَيْفَ يَكونُ؟

منذ 0 ثانية259
الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ.. وَدُرُوسُ الوَلَاءِ وَالانْتِمَاءِ

منذ 1دقيقة214
مَعَالمُ الرُّجُولَةِ

منذ 2 دقيقة226
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi