شريط الأخبار

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. مفهوم أممي

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين منذ 0 ثانية 404

يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبجديات الفكر الإسلامي وأولوياته، ومسؤولية دينية أخلاقية لا مجال للتقصير فيها أو التلكؤ، وصمام أمان لحفظ القيم والسلوك المجتمعي في الأمة الرشيدة، وسياج ضامن للهوية المسلمة.

والملاحظ في هذه العبادة أنها أخذت طابع الأمة في وجودها وديمومتها، ولم تأخذ طابع الفردية أو الفئوية المقتصرة على أفذاذ أو مجموعات محددة؛ لذا لما طرحت في القرآن الكريم، طرحت مرتبطة بالأمة ككل، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:110]، وغيرها من الآيات.

ففي الآية الأولى جاء الأمر الإلهي للأمة بأن يكونوا دعاة خير وحق، وربط ذلك بالفلاح على سبيل الحصر؛ نعم قد يكون المراد بالأمة هنا الجماعة أي: مجموع من الأمة يقوموا بهذا الواجب أو الفرض، بدليل ﴿منكم المراد بها (البعض) "من للتبعيض"، فيكون المعنى: ليكن بعض الأمة وجزء منها يدعون إلى الخير.

لكن على هذا الرأي: كيف نفهم الخيرية في الآية الأخرى، حيث لم يأت بـ﴿من المفيدة للتبعيض، فلم ترتبط الخيرية ببعض أو بجزء من الأمة، بل بها ككل ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس.  

لذا فالميل مع كون (من) للبيان لا للتبعيض هو الأولى، والمعنى حينئذ: (لتكونوا أمة تدعون إلى الخير)، فهو كقول الله ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان، فــ(من) هنا لا للتبعيض وإنما للبيان، والأوثان كلها رجس، فحينئذ المعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان.

وهذا ما ينسجم مع بقية النصوص الأخرى المشيرة لذلك، منها على سبيل المثال: عن حذيفة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:» والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله -عز وجل- أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم« ]رواه الترمذي[، فهو خطاب على مستوى الأمة والمجتمع ككل .

فهذه العبادة إذا لها مفهوم واسع، مؤثر في الشخصية الفردية والمجتمعية و الدولية على حد سواء، ولم تأت لتخاطب أفراداً أو مجموعات في داخل حدودها الجغرافية أو حتى خارجها فحسب، بل أعطاها القرآن بعدا أمميا فاعلا في الساحة الإقليمية، وموقعا حاضرا مؤثرا بين الأمم والشعوب يضمن لها هويتها وحضورها وبقاءها وقوتها.

وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبطان بالأمة، فهما يمتازان بكل ما تمتاز به الأمة عن غيرها من الأمم، لذا يمكن الخلوص بالنقاط التالية:

- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بخيرية الأمة ككل، ومتى قصرت الأمة في هذه العبادة، فقدت خيريتها في ميزان الله وميزان البشر، و مهابتها ومكانتها في الساحة الدولية، وأصبحت عالة على الأمم لا قيمة لها فكرا وثقافة وهوية. 

والحق أقول: "إن هذه الأمة ما فتئت خير أمة أخرجت للناس حتى تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تركتهما رغبة عنهما أو تهاونا بأمر الله تعالى بإقامتهما، بل مكرهة باستبداد الملوك والأمراء.."، من كتاب تفسير المنار،(4/60).

- إن الأمم السابقة قد قصرت في هذه العبادة واستحقت على ذلك العذاب الشديد، بل اللعن، والخسف، والمسخ، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ]المائدة:78-79[، "فإن الناس إذا تركوا دعوة الخير وسكت بعضهم لبعض على ارتكاب المنكرات، خرجوا عن معنى الأمة وكانوا أفذاذا متفرقين لا جامعة لهم"، (تفسير المنار: 4/ 35).

وهذا ما جعل القرآن في آية الخيرية السابقة يقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، مع أن الترتيب الوجودي هو العكس؛ وذلك لأن الأمة الإسلامية امتازت به عن غيرها من الأمم، فكل الأمم السابقة تؤمن بالله، لكنها لم تلتزم بهذا الأمر الإلهي.

- هذه العبادة المجتمعية مرتبطة بوسطية الأمة، وبالتالي شهادتها على الناس جميعا والجنس البشري بأكمله، لذا يتطلبان من الأمة: إيمان عميق وتشكل معرفي دقيق، وموقعا حاضرا شاهدا مرموقا بين الأمم، وقوة اعتراض فكري قيمي دولي مؤثر، لتستأنف دورها في القيادة الأخلاقية للبشرية وتحقق الصلاح المطلوب لعمارة الأرض.  

- إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ كبير مؤسس لحقيقة رسالة الأمة الإسلامية وحقيقة وظيفتها الحضارية، المشروطة بالقسط والعدل والميزان التي هي أحد معاني للقوامة لله لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [المائدة:135فتدخلها على صعيد الساحة الدولية إنما هو بالقسط والعدل، لا لهوى سياسي أو مكسب مادي واقتصادي أو تمدد عسكري، تدخل لنصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم، ومن أجل حرية الشعوب وخياراتها الإنسانية، و انحياز للحق ومقارعة الطغيان والبغي؛ طبعا بعد أن تكون قد استوفت هذه الاستحقاقات في حدودها الجغرافية، وهذا يتطلب من الأمة معرفة بالقوانين الدولية وبروتوكول السياسة والدبلوماسية، لتدعو إلى الحق على بصيرة ونور وهدى، لا على عمى وخبط عشواء.

وإذا كان الأمر كذلك فمن الغبن قصر هذا المفهوم على أفراد الأمة وأفذاذها كما نرى ونشاهد في الكثير من البقاع الإسلامية، فقد تعلم عن فرد مسلم مرابي، والنصيحة له واجبة، لكنها أوجب في حق البنك الذي سن ذلك وسهله، لأن الإثم في حقه أكبر فهو الأولى بالنصيحة والإنكار، وأولى منهما الدستور بدوائره "قانون، وزارات، مجالس شورى، حكومات" الذي شرع وأباح مثل هذا الفحش الكبير فهو الأشد قبحا وزورا والأولى بالنهي والأمر.

بل ويطال الأمر -والحالة هذه- النظام الإقليمي والدولي الذي يرى في الربا جزء من تكوينه ووجوده الاقتصادي، فيجب مقارعته بالحجة والبرهان والدلائل القوية من شتى الجوانب الاقتصادية والفكرية والأخلاقية، وهو واجب العلماء وفقهاء القانون وخبراء الدساتير الدولية وهكذا دوليك .

فليس من الفقه والحكمة والرشاد تشديد الإنكار على الفرد -مع عدم تبرئتي له من الذنب- وقصر النصيحة عليه، ونسيان الدوائر الأهم والأبلى والأولى والمؤثرة في المجتمع.

مقالات مشابهة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. مفهوم أممي

منذ 0 ثانية

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الملتقيات الدعوية .. بين النٌّقاد والحُسّاد

منذ 24 ثانية

أ. وفا محمود عياد - رئيس قسم أنشطة الوعظ بوزارة الأوقـاف

مسئولية الإمام إذا كان عالماً

منذ 30 ثانية

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

أيها المؤذن! إياك وتحمل الإثم

منذ 11 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية - فلسطين

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. مفهوم أممي

منذ 0 ثانية404
ضوابط تجديد الفكر الإسلامي

منذ 6 ثانية313
اسْتِعْلاءُ الإِيمَانِ .. لا يُطاوِلُهُ الطُّغْيانُ

منذ 12 ثانية295
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi