شريط الأخبار

هل حققت المساجد في فلسطين رسالتها؟

أ. ماهر عبد الواحد – داعية اسلامي منذ 0 ثانية 85

الحمد لله ثم الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله معلم البشرية محمد أول من شيد بيت لله وعلى اله وصحبة ومن تبعة إلى يوم الدين، أما بعد:

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18]، ويتفق العلماء في أن العمارة تكون بالنفس والمال، فللمسجد دور عظيم في حياة المجتمع المسلم وهو دور متواصل يكاد لا ينتهي حيث انه بدأ منذ بزوغ شمس الإسلام والى يومنا هذا، وسيظل للمسجد دوره الرئيس في نشر الإسلام العظيم.

وهنا يجدر التساؤل هل حققت مساجدنا في فلسطين رسالتها؟

اعلم أخي الحبيب أن المساجد الفلسطينية لا تزال هي النبراس والنور للأمة وقد جسدت غايات بناء المجتمع، فمن بيوت الله انطلقت دعوات تسمو بالأمة وبعلاقاتها بالله والكون والإنسان وتوضح مقاصد الشريعة عبر الأنشطة والفعاليات المتعددة لتحقيق غايات الدين، ورسالة بيوت الله حل وعز التي لا تقتصر على أداء الصلوات المفروضة، بل تطمح إلى الحكومة الإسلامية بإذن الله تعالى وصولا إلى تطبيق منهج الله الكامل في الأرض.

لقد اضطلع المسجد في ارض الرباط فلسطين بمهام متعددة نظرا لخصوصية الحالة الفلسطينية كون المسلمون في جهاد مع اليهود الغاصبين للأرض والمقدسات إلى يوم القيامة، ولم تعد تقتصر على ذلك الدور التقليدي الذي تؤديه بيوت الله في أصقاع العالم، فمن المسجد جدد الشيخ أحمد ياسين يرحمه الله فريضة الجهاد ضد اليهود الغاصبين بعد أن تعطلت في العالم الإسلامي، وانطلقت الدعوات للتصدي للمحتل من وعبر المساجد، ومن بين الشباب وصفوف المصلين كان انتقاء كتائب المجاهدين الذين قدموا أرواحهم وبذلوا النفس والنفيس في سبيل دعوة الله تعالى وواجهوا الاحتلال الصهيوني وحاربوه بكل الإمكانات المتاحة، ومن رحاب المساجد انطلق رجال الفكر والقادة إلى دعوة الناس وحثهم على حمل الراية ونشر أحكام الدين الصحيحة ومحاربة البدع ونشر سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم وصولا إلى إصلاح حال الأمة بالعدل والمساواة وهذا أدى إلى ازدياد ارتباط العامة بالمسجد وبات للمسجد مهام أوسع مع تعلق المسلمون وظهور العمل الجماعي بالحكمة والموعظة الحسنة وبالكلام الهين اللين ومن فضل الله تعالى وبعد سنوات معدودات من الجهد والتضحيات، ظهر اثر المساجد في تغيير وجهة المجتمع من العلمانية إلى التدين والالتزام بالإسلام عقيدة وشريعة.

لقد حارب المسجد في فلسطين كل ما كان سائدا من البدع المنكرة في الدين، والتي تزعزع العقيدة السليمة وتؤدى إلى التهلكة بعد أن كان قد توارث العوام عادات شركية كثيرة، تم بحمد الله القضاء عليها وطمسها وتبرأ منها الناس شيئا فشيئا رغم أنها تصيب جوانب حياتية أساسية للسكان.

كما اطلع المسجد بدور كبير في نشر وتسهيل فهم أحكام الدين وتطبيقاته في الحياة والواقع، ونحن نرى أن واقعنا الفلسطيني يحتاج إلى فقه وأحكام شرعية خاصة في كثير من القضايا لعدة أسباب منها:

أولاً: نحن على ارض الرباط إلى يوم القيامة.

ثانياً: نحن أمام عدوان مستمر، علينا واغتصاب أرضنا ومخططات القضاء على وجودنا على أرض فلسطين على يد بني صهيون.

ثالثاً: أن الأراضي الفلسطينية فقيرة، في إمكانياتها المادية ومواردها التي لا تمكنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي في متطلبات الحياة مما يصعب على المجتمع الاعتماد على ثرواته -المعدومة أصلا- وموارده الضئيلة جدا، هذا إضافة إلى الكثافة السكانية العالية إذ يزيد عدد السكان على خمسة مليون نسمة.

رابعاً: أن البلاد محاصرة، جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وتفرض عليها سلطات الاحتلال وأعوانه سياسات العزل والتجويع والحصار منذ سنوات مما يؤدى إلى خنق المواطنين والتضييق عليهم بكل السبل ولا يكاد المواطن يجد ما يعينه على حياته العادية اليومية بعد شح السلع والمواد الغذائية.

ويضطلع المسجد بدور كبير ومؤثر في حث الناس على الصبر والمصابرة والاحتمال والاحتساب عند الله تعالى أمام هذه الابتلاءات التي تنوء بحملها الجبال الراسخات، ورفع المسجد من درجة التكافل والتضامن الاجتماعي بين الناس ونشر روح الأخوة والجماعة والسؤدد والمودة والرحمة بين العباد عبر برامج توعية واجتماعية وتقديم المعونات مالية والمساعدات للأسر الفقيرة والمحتاجة، ودعم الطلاب، وأصحاب الحرف البسيطة، وطبعا سد حاجات مادية للمعوزين والعاطلين عن العمل، والأيتام، وذوى الأسرى والشهداء.

وتحققت للمسجد رسالته الاجتماعية إذ ذابت الفوارق الطبقية بين رواد المسجد وتجسد التالف والأخوة والمحبة والنصيحة والتشاور إضافة إلى التعاطف، والتعاون، واستشعار هموم الآخرين، وتطبيقا لذلك يكون بين رواد المسجد وأهل الحي تزاور وتفقد إذ يعودون المرضى فيهم ويشيعون جنائزهم ويتفقدون من حلت به مصيبة ويشاركون من كانت عندهم فرحة، وباتت تعقد المناسبات الطيبة في رحاب المسجد كإعلان الصلح بين المتخاصمين وإعلان الخطبة وإشهار الزواج وغير ذلك، ويأتي هذا الدور استكمالا لما كان منذ أن شيد الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- المسجد.

ومن زاوية أخرى فان المسجد باشر في الإصلاح بين الناس وحل منازعاتهم ومشاكلهم المختلفة على أساس الحكم الشرعي، وفي الحقيقة فان المساجد تكرس وتحفز للتسابق على طاعة الله عز وجل من اجل رفعة المجتمع، فهناك الاعتكاف، وصلاة القيام والتهجد في شهر رمضان وفي غير رمضان، وحلقات تحفيظ القران الكريم والمسابقات الدينية، وبات للمسجد دور صحي تمثل في إقامة العيادات والمراكز الصحية ونفذت أياما طبية وأقيمت في المسجد الندوات وللمحاضرات العلمية للتثقيف والإرشاد الصحي وفقا لحاجات المجتمع ومن ذلك حملات التوعية والنظافة، كما أقيمت الندوات الفكرية والدينية ودروس التقوية للطلاب في مختلف مراحل التعليم.

وتخصص المساجد أماكن لصلاة للنساء وتفعيل دورهن لإحياء رسالة المسجد، وربط الأسر بالمساجد، وإعطاء دورات لهن للتدريب على الدعوة النسوية التي باتت مفخرة اليوم في فلسطين وتجربة تحتدي، حيث تستقطب الفتيات والنساء على حد سواء ،وفي المساجد يجرى تخصيص أماكن لتعليم المهارات النسوية على سبيل المثال تعقد دورات في الحياكة والتطريز والكمبيوتر والخط العربي وغير ذلك الكثير مما جعل المسجد مؤسسة علمية ومعرفية تقوم بدورها في استقطاب المرأة الفلسطينية في مجال الدعوة إلى الله تعالى.

وشاركت المرأة الفلسطينية الرجال في حمل هم الدعوة ونشرها بين النساء والفتيات، ويجدر الذكر بان المرأة قدمت أروع صور التضحية والفداء والتفاني في طريق دعوة الله -تبارك وتعالى- بالصبر والإيثار ومساعد المجاهدين والتخذيل عنهم في أسرهم وأولادهم، فعندنا خنساوات كثر من أبرزهم عضو في المجلس التشريعي اليوم هي أم نضال فرحات من سكان غزة التي قدمت أولادها شهداء في سبيل الله، وتجسد الدور القضائي مع ازدياد تفاعل الناس مع المسجد اضطلاعه بحل مشكلات وأزمات الناس الخاصة والعامة عبر حل النزاعات والمشاكل والشكاوى بين المتخاصمين عبر لجان الإصلاح التي تشكل من رجال الإصلاح والمرموقين في الوسط الاجتماعي لحل مشاكل الناس والحكم فيما بينهم، بما يتمشى مع الشرعية وأحكام الدين، وقد سجلت العديد من النجاحات لتلك اللجان في استتباب العدل الاجتماعي، وضمان عدم التعدي على الغير، وصيانة الحقوق وحفظها.

أما عن الدور الإعلامي للمسجد:

فالمسجد مركز إعلامي ينبئ ويخبر أهل الحي من خلال الإمام أو لجنة المسجد عن كل حاجات المجتمع فيتنادون بينهم لإغاثة الملهوف وزيارة المبتلى والمريض ومواساة الفقير ومساعدته والكثير من الأعمال الاجتماعية التي يتبناها المسجد وأهله، وأنجزت المساجد في قطاع غزة والضفة الغربية هذا الدور بدرجة عالية فمنها كان الإعلان عن توجيه الجماهير لمواجهة الاحتلال في المسيرات والاعتصامات بل المواجهات، ومنها أنباء ارتقاء الشهداء وتشييع الجنائز.

يقول المستشرق الإنجليزي روسكين جب، في كتابه (تجاه الإسلام): "لم يحرز مجتمع من المجتمعات البشرية نجاحاً مثل ما أحرزه الإسلام في إقرار المساواة بين الأجيال المختلفة، بصرف النظر عن الطبقات البشرية، وتنوع الفرص وإمكانية العمل، لقد تجلَّت من أوضاع الجالية الإسلامية في عدد من البلدان قدرة الإسلام على إذابة الاختلافات في الأجيال والتقاليد، التي لا تزول على مر القرون"، وجدير بالذكر انه من الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث معين كوع في رسالته لنيل درجة الماجستير في الإعلام والاتصال من جامعة ويست منستر بلندن  إن حركة حماس استخدمت أكثر قناة اتصال تأثيرًا استخدمتها حماس محليًا ألا وهي المساجد، ومن النتائج التي توصل إليها الباحث أيضا أن الدين، والخطابات الدينية، أكثر تكتيكات حماس في علاقاتها العامة واتصالها نجاحاً وتأثيراً على المستوى المحلي والإسلامي، ولكن هذه التقنية ليست فعالة على المستوى العالمي والغربي.

كما أن الدور التعليمي للمساجد لم يقتصر على الرجال فحسب بل نافست عليه النساء منذ زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قالت النساء للنبي: "غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك، فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن"، ويروى عن إعجاب أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بإقبال الأنصاريات على العلم جاء في الأحاديث قولها: »نِعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين« [رواه مسلم].

وشاركت الفلسطينية الرجل في الدعوة والجهاد، وقال القيادي البارز في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الدكتور عبد العزيز الرنتيسي -يرحمه الله- وبعده قالها إسماعيل هنية (رئيس الوزراء السابق) في ندوتين منفصلتين لهما مسجد النصر بغزة في السنة الأولى للانتفاضة الحالية: "تأتينا أخوات كثيرات تردن الاستشهاد وارتداء الحزام الناسف وتفدى نفسها استشهادية في سبيل الله".

واضطلع المسجد بدور علمي حيث الأنشطة المتعددة لرفع المستوى الثقافي وقد اعتبر الكثيرون المسجد مركزا للإشعاع الثقافي، حيث انطلقت من فوق منبره النهضة الثقافية والتوجيه التربوي، وعلى مدار السنة تعقد المسابقات وتخصص الجوائز للمبدعين والنوابغ في مختلف العلوم الدينية والدنيوية، وتوجه المساجد في قطاع غزة إلى مواكبة التقدم وثورة التكنولوجيا والكمبيوتر، وما يعرف بالانفجار المعرفي، وكان الاهتمام أيضا بإعمار المساجد وتشييدها ونظافتها وتزيينها باعتبارها واجهة حضارية، واهتم المؤمنون بالمحافظة عليها وتوجيه كل شرائح المجتمع بإعمار المساجد وأن تظل أبوابها مفتوحة.

خطبة الجمعة:

من نافلة القول أن خطبة الجمعة تحتاج إلى الكثير من التنبيه حتى تحقق هدفها المنشود وقد ورد في صحيح مسلم، "أن عمار بن ياسر خطب في قوم فقال له رجل: يا أبا اليقظان لقد أبلغت فأوجزت ولو كنت تنفست أي طولت يعني حديثه كان مشوقا، فقال عمار بن ياسر إن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: »إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مظنة من فقهه -أي علامة من فقهه- فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة وإن من البيان لسحرا« [رواه مسلم].

وعن عمر -رضي الله عنه- إنه قال: "لا تبغضوا الله إلى عباده، قالوا: وكيف ذلك أصلحك الله؟ قال: يجلس أحدكم قاصا فيطوّل على الناس حتى يبغض عليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغضهم مما هم فيه".

ويلاحظ على العديد من خطباء اليوم اللحن اللغوي وهذه من الأمور التي ينبغي الحذر منها اللحن والخطأ في اللغة العربية؛ لأن ذلك يكون فاحشاً غير مقبول، ويشتكى الناس من التهويل والتقول في الخطابة فتجد بعض الأئمة من حماسته المفرطة يهول الأمور ويضخمها، فقد تقع حادثة يسيرة أو خلل محدود أو خطأ مقصور على أحدٍ بعينه، فإذا بالخطيب ينذر بالويل والثبور وعظائم الأمور وإذا به يصيح وينوح كأنما قد خربت الدنيا كلها، فهذا لا شك أنه من الأمور الغير موافقة للشرع؛ وينبغي للإمام أن يتثبت وألا يتقول على الناس أو على أهل حيّه أو على عموم المسلمين، والمبالغة في ذلك مذموم، ويلجا خطباء الجمعة هذه الأيام إلى التركيز على السلبيات دون الإيجابيات في المجتمع بل في الأمتين العربية والإسلامية أحيانا، مما يؤدى إلى تثبيط الهمم وإضعاف العزائم، وذلك ينبغي ألا يكون، وإن كان فينبغي أن يكون على النهج السوي، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: »ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا« [رواه أبو داود]، وورد عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: »من قال هلك الناس فهو أهلكَ«، وفي رواية ضبطها: »فهو أهلكُهم« [رواه مسلم].

ومن غير المقبول أن يلجا خطيب الجمعة -بقصد أو غير قصد- إلى إدخال اليأس إلى قلوب الناس بأن كل شيء قد فسد، وأن كل الأحوال قد اضطربت، وأن كل المنكرات قد ارتكبت، وأن كل المصائب قد جاءت، فماذا يبقى للناس من بصيص الأمل؟ وأين الإيجابيات والخير الذي ساقه الله -عز وجل- هنا وهناك؟ من المحمود أن يكون في هذا الجانب اعتدال، ومن عيوب بعض الخطباء اقتصارهم على أجزاء دون الشمول لسائر الإسلام، فإن حصر المنبر في تعليم فقه العبادات فقط لا شك أنه أمر في أصله جيد، ولكن في الوقوف عليه دون سائر المواضيع موضع نقد، فينبغي أن يذكر بالإيمان وبالعبادة وبالأخلاق وبالآداب وبالأحكام وبسائر ما في هذا الدين.

انتهى وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

مقالات مشابهة

هل حققت المساجد في فلسطين رسالتها؟

منذ 0 ثانية

أ. ماهر عبد الواحد – داعية اسلامي

أثر المسجد في بناء شخصية الطفل

منذ 18 ثانية

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الوَقْتُ.. أَهَمِّيَّتُهُ وَوَسائِلُ اسْتِغْلالِهِ

منذ 2 دقيقة

أ. بكر سليمان الزاملي - خَطيبٌ بِوَزارةِ الأَوْقاف

لماذا يهرب الناس من المساجد؟

منذ 10 دقيقة

أ. فتحي عبد الستار – داعية إسلامي

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

هل حققت المساجد في فلسطين رسالتها؟

منذ 0 ثانية85
أفكار وأنشطة تربوية لطلاب وطالبات جلسات التحفيظ القرآنية في المساجد

منذ 8 ثانية86
أثر المسجد في بناء شخصية الطفل

منذ 18 ثانية139
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi