شريط الأخبار

المَوْقِفُ مِنَ التُّراثِ

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 121

التُّراثُ هُوَ جُذُورُ الأُمَّةِ، وَمُكَوِّناتُ شَخْصِيَّتِها، وَمَسارُها الحَيَوِيُّ عَبْرَ الزَّمانِ وَالمَكانِ، وهُوَ القاعِدَةُ وَالمُنْطَلَقُ وَحَجَرُ الزَّاوِيةِ، وَهُوَ قَدْرُ الأُمَّةِ وَنَسِيجُ وُجُودِها الذِي لا يُمْكِنُ لِإِنْسانٍ أنْ يُنْكِرَهُ، إلَّا عَلى مُسْتَوى الجَدَلِ النَّظَرِيِّ الذِي لا رَصِيدَ لَهُ فِي عالَمِ التَّجْرِبَةِ الحَيَّةِ وَالواقِعِ المَعاشِيِّ.

وَالتُّراثُ: هُوَ ما يُخَلِّفُهُ السَّلَفُ لِلْخَلَفِ مِنْ (مادِّيَّاتٍ) كَالْأَمْوالِ وَالعَقاراتِ، أوْ (مَعْنَوِيَّاتٍ) كَالْعاداتِ وَالقِيَمِ وَالأَخْلاقِ وَالأَفْكارِ وَالوَسائِلِ وَالأَسالِيبِ وَأَنْماطِ الحَياةِ فِي جَمِيعِ جَوانِبِها.

وَكَلِمَةُ (التُّراثِ) تَشْمَلُ مَجالَيْنِ أوْ مُسْتَوَيَيْنِ يَخْتَلِفُ أحَدُهما عَن الآخَرِ اخْتِلافاً كُلِّيّاً وَجَذْرِيّاً، وهُما: ما كان مَصْدَرُهُ الوَحْيَ الإِلَهِيَّ، والفَهْمُ البَشَرِيُّ لِلْنَّصِّ المَعْصُومِ.

المَجالُ الأَوَّلُ/ ما كان مَصْدَرُهُ الوَحْيَ الإِلَهِيَّ:

وَيَتَمَثَّلُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وهذا المَجالُ لا يَسَعُنا إلَّا أنْ نُذْعِنَ لَهُ وَنَنْقادَ لِحُكْمِهِ راضِينَ مُسَلِّمِينَ، وَهُما يَتَّسِمانِ بِالْعِصْمَةِ، ولا يَدْخُلانِ فِي دائِرَةِ الشَّكِّ وَالرِّيْبَةِ، كَما أنَّهُما لا يَقْبَلانِ الانْتِقاءَ والاخْتِيارَ مِنْهُما.

وَتَسْمِيَةُ هذا الجانِبِ تُراثاً هُوَ مِنْ بابِ التَّساهُلِ وَالتَّوَسُّعِ فِي التَّعْبِيرِ، وَمَنْطِقُ القُرْآنِ الكَرِيمِ يُؤَكِّدُ وِراثَةَ الكِتابِ، وَأَنَّ الوارِثِينَ ثَلاثَةُ أصْنافٍ، إذْ يَقُولُ اللهُ سُبْحانَهَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر:32]، وَيَقُولُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الكِتَابَ﴾ [غافر:53].

المَجالُ الثَّانِي/ الفَهْمُ البَشَرِيُّ لِلْنَّصِّ المَعْصُومِ:

وهُوَ يُمَثِّلُ عَمَلَ العَقْلِ الإنْسانِيِّ فِي فَهْمِ الجانِبِ الإِلَهِيِّ المَعْصُومِ مِنَ التُّراثِ، وَهُوَ يَضُمُّ كُلَّ عُلُومِ الدِّينِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ القُرْآنِ وَعُلُومِ الحَدِيثِ وَالفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَعِلْمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّصَوُّفِ، وَيَشْمَلُ العُلُومَ العَقْلِيَّةَ وَما يَتَعَلَّقُ بِها، وَالعُلُومَ الكَوْنِيَّةَ مِنَ الطِّبِّ وَالكِيمْياءِ وَالفِيزْياءِ وَالرِّياضِيَّاتِ وَنَحْوِها، وَالعُلُومَ المُتَعَلِّقَةَ بِالْفَنِّ وَالجَمالِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْهُ.

فَهَذِهِ كُلُّها تُراثٌ إسْلامِيٌّ، وهِيَ نِتاجُ عُقُولٍ غَيْرِ مَعْصُومَةٍ، فَفِيها الصَّوابُ وَالخَطَأُ، وَالحَقُّ وَالباطِلُ وَالغَثُّ وَالثَّمِينُ، وَالجِدُّ وَالهَزَلُ.

وَهُناكَ جُمْلَةٌ مِنَ المَبادِئِ يَجِبُ أنْ تُراعى فِي التَّعامُلِ مَعَ تُراثِنا العَظِيمِ:

1. لَيْسَ كُلُّ ما نُسِبَ إلى التُّراثِ صَحِيحَ الثُّبُوتِ.

2. شَرْعِيَّةُ نَقْدِ التُّراثِ السَّلَفِيِّ:

وإذا ثَبَتَ نَفْيُ العِصْمَةِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ، فَمَعْنى ذَلِكَ: أنَّ مَنْ عَداهُ مِنْ صَحابَةٍ أوْ تابِعِينَ أوْ أتْباعِ التَّابِعِينَ، أوْ مَنْ بَعْدَهُم مِنَ العُلَماءِ وَالأَئِمَّةِ فِي كُلِّ الاخْتِصاصاتِ هُمْ بَشَرٌ مُجْتَهِدُونَ، وَعَلَيْهِ فَكُلُّ ما قالُوهُ أو انْتَهَوْا إلَيْهِ مِنْ آراءٍ وَاجْتِهاداتٍ قابِلَةٌ لِلْنَّقْدِ، ويُؤْخَذُ مِنْ أقْوالِهم وَيُرَدُّ.

وإذا كانَ مِنْ حَقِّنا أنْ نَنْقُدَ تُراثَ السَّلَفِ، فَلا يَعْنِي ذَلِكَ أنْ يُتْرَكَ الأَمْرُ لِكُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَنْ يُمارِسُ النَّقْدَ أهْلاً لِذَلِكَ، فَضْلاً عَنْ مُمارَسَتِهِ وَفْقاً لِلْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ لا اتِّباعاً لِلْأَهْواءِ، فَإِنَّ اتِّباعَ الهَوى يُعْمِي وَيُصِمُّ.

3. وُجُوبُ الاعْتِدالِ فِي تَقْوِيمِ تُراثِنا الدِّينِيِّ وَالفِكْرِيِّ:

فَتُوْزَنُ هذه المَوارِيثُ كُلُّها بِما لَها وَما عَلَيْها بِالْقِسْطِ، وَيُفْصَلُ بَيْنَ طوائِفِها واتِّجاهاتِها بِالْحَقِّ، فَيُعَطى كُلٌّ مِنْها حُكْمَه الخاصَّ بِهِ لا يَتَعَدَّاهُ، دُونَ تَعَصُّبٍ لِفِئَةٍ، أوْ تَعَصُّبٍ ضِدَّ أُخْرَى، بَلْ كَما أَمَرَنا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أنْ نَكُونَ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ مَعَ مَنْ نُحِبُّ، ومَعَ مَنْ نَكْرَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:8].

4. نَقْدُ الآراءِ لا يَعْنِي الطَّعْنَ فِي أصْحابِها:

وإذا كان نَقْدُ الآراءِ وَالأَقْوالِ المَنْقُولَةِ عَن السَّلَفِ -ناهِيكَ بِالْخَلَفِ- مَشْرُوعاً، بَلْ قَدْ يَكُونُ واجِباً فِي بَعْضِ الأحْيانِ، فَلا يَعْنِي هذا أنْ يَصْلَ النَّقْدُ إلى حَدِّ الطَّعْنِ فِي الأشْخاصِ وَالتَّجْرِيحِ بِهِم، فَهَذا تَوَجُّهٌ مَذْمُومٌ وَمَرْفُوضٌ فِي مِيزانِ الشَّرْعِ.

مقالات مشابهة

المَوْقِفُ مِنَ التُّراثِ

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

التَّحْذِيرُ مِنْ ظَاهِرَةِ السُّفُورِ وَالتَّبَرُّجِ

منذ 44 ثانية

أ. محمد أسعد الصفطاوي - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

تَكَفُّلُ اللهِ بِالْرِّزْقِ .. كَيْفَ يَكونُ؟

منذ 1دقيقة

أحمد علي أبو العمرين - خطيب بوَزارة الأوقاف

ما هِيَ مَسْئُوْلِيَّتُكَ الأُوْلى؟

منذ 1دقيقة

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

المَوْقِفُ مِنَ التُّراثِ

منذ 0 ثانية121
التَّحْذِيرُ مِنْ ظَاهِرَةِ السُّفُورِ وَالتَّبَرُّجِ

منذ 44 ثانية118
تَكَفُّلُ اللهِ بِالْرِّزْقِ .. كَيْفَ يَكونُ؟

منذ 1دقيقة130
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi