شريط الأخبار

الفهمَ الفهمَ يا شباب الصحوة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين منذ 0 ثانية 54

الإسلام دين يحترم العقل ويجعله مناط التكليف ومحور الثواب والعقاب، والقرآن مليء بمثل هذه الفواصل: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فالتفكير في الإسلام عبادة، وطلب البرهان واجب، وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فلا غرو أن تكون التربية العقلية لازمة من لوازم التربية الإيمانية، لهذا جعل الأستاذ حسن البنا -رحمه الله- (الفهم) أول ركن من أركان بيعة الإخوان وقدمه على الأركان الأخرى، كالإخلاص والعمل والتضحية والجهاد والثبات، وهذا يدل على أن الرجل كان بصيراً بـ (فقه الأولويات) وتقديم ما يستحق التقديم.

ولا ريب أن (الفهم) يسبقها جميعاً، فالمرء لا يخلص للحق ويعمل له ويجاهد في سبيله إلا بعد أن يعرفه، والإمام الغزالي -رحمه الله- وغيره من الصوفية الكبار يرون مقامات الدين، والتخلق بأخلاق النبيين لا يتم إلا بمعجون مركب من ثلاثة أشياء: (علم وحال وعمل)، فالعلم يورث الحال، والحال يورث العمل؛ وهذا الترتيب واضح في القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:54]، والعطف بالفاء يفيد الترتيب، أي أن العلم يترتب عليه الإيمان، والإيمان يترتب عليه الإخبات، فهم إذا علموا آمنوا، وإذا آمنوا أخبتوا.

ويقول تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:19]، فقدم الأمر بالعلم على الأمر بالعمل وهو الاستغفار؛ لهذا حذَّر الربانيون من أئمة السلف -رضي الله عنهم-، من الإقبال على التعبد قبل التزود من العلم، فقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز: "العامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح"، وقال الحسن البصري: "العامل على غير علم كالسائر على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلباً لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بالعلم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولو طلبوا العلم لم يدلهم إلى ما فعلوا"، يعني بهؤلاء (الخوارج) الذين استحلوا دماء المسلمين وأموالهم بالرغم أنهم كانوا صوَّامين قوَّامين يحقر الواحد صلاته مع صلاتهم وصومه مع صومهم، كما وصفهم الحديث الشريف، إلا أنهم كان ينقصهم الفهم في التعامل مع النصوص، فأدى بهم ذلك إلا تأويلها تأويلاً فاسداً ووضعها في غير موضعها، كما هو حال بعض طلبة العلم المبتدئين اليوم.

لهذا لما ذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- رجلان: أحدهما عابد، والآخر عالم، قال: »فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ« [رواه الترمذي]، وشبيه هذا قول -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر الغفاري: »يَا أَبَا ذَرٍّ، لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ، عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ« [سنن ابن ماجه]، وقريب من هذا قال معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: "العلم إمام العمل، والعلم تابعه".

وفوائد العلم كثيرة تتمثل فيما يلي:

1. فهو الوسيلة الفذة لتمييز الحق من الباطل في العقائد، والصواب من الخطأ في الأفكار، وذلك بما يضعه من أصول وضوابط لاستقامة الفهم وصحة الاستدلال.

2. وهو الوسيلة الفذة لتمييز المشروع من غير المشروع من الأعمال.

3. وهو الوسيلة الفذة لإعطاء الأعمال والتكاليف مراتبها الشرعية الصحية.

4. وهو الوسيلة الفذة للحكم العادل على الأفراد والجماعات، وتقويم المواقف والأحداث تقويماً سليماً، بعيداً عن الشطط والهوى، وعن الإفراط والتفريط.

ويلاحظ من حكمة الإمام البنا ودقة فهمه وبعد نظره -رحمه الله- أن عبَّر عن (العلم) بـ (الفهم)؛ لأنه المقصود من العلم، فليس العلم بكثرة الرواية بقدر ما هو عمق الرواية، ولهذا علَّق القرآن الكريم والسنة النبوية الخير "بالتفقه في الدين" لا بمجرد "تعلم الدين".

يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:122]، ويقول رسول الله -عليه أفضل الصلاة والسلام-: »مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُّ فِي الدِّينِ« [حديث صحيح]، والفقه أخص من العلم، فهو يعني الفهم بل الفهم الدقيق وذلك من خلال الغوص في أعماق النصوص وعدم الاكتفاء بالوقوف على حدود الألفاظ، كما هم حال بعض طلاب العلم في هذا الزمان، لذلك كان صحة الفهم من أعظم النعم التي يعطاها الإنسان.

يقول ابن القيم: "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المُنْعَم عليهم الذين حَسُنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد، ويمدُّه حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته إتباع الهوى وإيثار الدنيا وطلب محمدة الخلق وترك التقوى" [كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج1ص:87)].

وقد أخرج البخاري في صحيحه عن علي -رضي الله عنه- أنه سئل: هل خصكم رسول الله بشيء؟ قال: "لا إنما فهماً يُؤتاه عبد في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة"، وأخرج صحيفة فيها بعض الأحكام.

من هنا أخي المسلم وجب عليك أن تأخذ من الثقافة الإسلامية القدر الذي تفهم به عقيدتك وتصحح عبادتك، وتضبط سلوكك وتقف عند حدود الحلال والحرام، وتستطيع أن تحكم على الأحداث والأشخاص والمواقف، وبعقلية المسلم الذي ينظر من زاوية إسلامية ويحكم بمعيار إسلامي، وهذا يحتاج إلى نية صادقة وهمة عالية، [عن كتاب: شمول الإسلام للقرضاوي، بتصرف].

مقالات مشابهة

الفهمَ الفهمَ يا شباب الصحوة

منذ 0 ثانية

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

تجديد الفكر الإسلامي بين الجمود والجحود

منذ 28 ثانية

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

طاعة مفقودة

منذ 36 ثانية

أ. محمد عبدو - باحث شرعي

الأسس العامة للفكر الإسلامي

منذ 3 دقيقة

د. يوسف علي فرحات - داعية إسلامي

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الفهمَ الفهمَ يا شباب الصحوة

منذ 0 ثانية54
مسجد خليل الرحمن - خربة العدس

منذ 4 ثانية43
المتساقطين على طريق الدعوة (كيف .. ولماذا؟)

منذ 8 ثانية43
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi