شريط الأخبار

آفَةُ الإسْرافِ

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 293

يُعَدُّ الإسْرافُ مِنْ أخْطَرِ الآفاتِ التِي تُصِيبُ المُجْتَمَعاتِ، حَيْثُ يَتَعَدَّى خَطَرُها الجانِبَ المادِّيَّ إلى الجانِبِ الدِّينِيِّ والأخْلاقِيِّ والقِيَمِيِّ؛ وذلك إذا عَرَفْنا أنَّ الإسْرافَ فِي أبْسَطِ تَعارِيفِهِ مَعْناهُ: الإنْفاقُ فِي غَيْرِ الحِلِّ وفِي غَيْرِ المَحِلِّ، وهُوَ يَشْمَلُ الإسْرافَ فِي المادِّيَّاتِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَأثاثٍ وَمَسْكَنٍ، وَكَذلك يَشْمَلُ: الإسْرافَ فِي الوَقْتِ وإضاعَتَه وَقَتْلَهُ؛ لِهذا أعْلَنَ اللهُ سُبْحانَه وتَعالى في كِتابِه العزيزِ أنه:﴿لَاْ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعْراف:31].

وَالإسْرافُ يَتَعارَضُ مَعَ وَسَطِيَّةِ الإسْلامِ، والتِي تَتَناغَمُ مَعَ الاقْتِصادِ فِي الإنْفاقِ، والذِي هُوَ فَضِيلَةٌ بَيْنَ رَذِيلَتَينِ، هُما: البُخْلُ، والإسْرافُ.

وَلَيْسَ المَقْصُودُ بِالِاقْتِصادِ هُنا الشُّحَّ وَحِرْمانَ النَّفْسِ والعِيالِ مِمَّا يَشْتَهُونَهُ، وإنَّما المَقْصُودُ التَّوازُنُ والتَّوَسُّطُ عَلى مُقْتَضَى ما يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:67]، وَنَهى اللهُ تَعالى عَن التَّبْذِيرِ، وَوَصَفَ المُبَذِّرِينَ بِشَرِّ وَصْفٍ حِيْنَ قالَ: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً* إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:26-27].

"إنَّ المُسْلِمَ مُطالَبٌ بِأنْ لا يَتَأَخَّرَ فِي أداءِ ما أوْجَبَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ مَعَ شَيْءٍ مِنْ تَرْفِيهِ نَفْسِهِ وَعِيالِهِ؛ حَتَّى لا يَشْعُرُوا بِالْبُؤْسِ وَالْحِرْمانِ، وَمُطالَبٌ بِأنْ يَتَجَنَّبَ إنْفاقَ مالِهِ فِيما يُغْضِبُ اللهَ تَعالى، وهُوَ مُطالَبٌ إلى جانِبِ هذا وذاك بِأَنْ لا يَأْكُلَ وَيَشْتَرِيَ وَيَسْتَخْدِمَ كُلَّ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّ تَلْبِيَةَ رَغَباتِ النَّفْسِ بِطَرِيقةٍ مُسْتَمِرَّةٍ يَقُودُ إلى التَّبْذِيرِ والإسْرافِ، وفِي هذا يَقُولُ عُمَرُ -رضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفاً أنْ يَأْكُلَ كُلَّ ما يَشْتَهِي)، وقدْ ذَكَرُوا أنَّ رَجُلاً مَرَّ بِعُمَرَ وَعَلَيْهِ بُرْدَةٌ، وَيَبْدُو أنَّ تِلْكَ البُرْدَةَ لَفَتَتْ نَظَرَ عُمَرَ، فَقالَ لَهُ: بِكَمْ ابْتَعْتَ بُرْدَتَكَ هَذهِ؟، قالَ الرَّجُلُ: بِسِتِّينَ دِرْهَماً، قالَ عُمَرُ: كَمْ مالُكَ؟ قال: ألْفُ دِرْهَمٍ، فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِالْدُّرَّةِ، وَيَقُولُ: رَأْسُ مالِكَ ألْفُ دِرْهَمٍ وَتَبْتاعُ ثَوْباً بِسِتِّينَ دِرْهَماً؟!" [الصَّحْوَة الإسْلامِيَّة، أ.د. عبد الكريم بكّار ص168].

إنَّ الإسْرافَ يُفْضِي إلى الفاقَةِ؛ ذلك أنَّ المُسْرِفَ يُطْلِقُ يَدَهُ فِي الإنْفاقِ إرْضاءً لِشَهَواتِهِ حَتَّى تُفْقِدَهُ ما عِنْدَهُ، وَيَنْزِلَ إلى طَبَقَةِ المُقِلِّينَ أو المُعْدَمِينَ، وكَمْ مِنْ بُيُوتٍ أسَّسَها آباءٌ مُقْتَدِرُونَ، وعَمَّرُوها بِما يَلِيقُ بِها مِنَ المَرافِقِ والأَمْتِعَةِ ثُمَّ صارَتْ إلى أبْنائِهِم مِنْ بَعْدِهِم، وقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّرَفُ، فَأَطْلَقُوا لِشَهَواتِهم العَنانَ حَتَّى أتْلَفُوا وَسائِلَ الثَّرْوَةِ فَوَقَعُوا فِي الفَقْرِ والإفْلاسِ، وإذا وَقَعَ الرَّجُلُ فِي الفَقْرِ بَعْدَ اليَسارِ تَجَرَّعَ مَرارَةَ الهَوانِ، وَكَذلِكَ الأُمَّةُ تَمْلِكُ عِزَّتَها بِقَدْرِ عَمارَةِ بَيْتِ مالِها، قال أبُو جَعْفرٍ المَنْصُورُ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْمَهْدِيِّ: "فَإنَّكَ لا تَزالُ عَزِيزاً ما دامَ بَيْتُ مالِكَ عامِراً".

وَالإسْرافُ فِي التَّرَفِ يُنْبِتُ فِي النُّفُوسِ أخْلاقاً مَرْذُولَةً، مِنْ نَحْوِ الجُبْنِ، والجَوْرِ، وقِلَّةِ الأمانَةِ، وَالإِمْساكِ عَن البَذْلِ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ، كَما أنَّ شِدَّةَ تَعَلُّقِ النُّفُوسِ بِالْزِينَةِ وَالْلَّذَائذِ مِنَ العَيْشِ يُقَوِّي حِرْصَها عَلى الحَياةِ، ويَحْمِلُها هذا الحِرْصُ عَلَى تَجَنُّبِ مَواقِعِ الحُرُوبِ، وإنْ كانَتْ مَواقِفَ شَرَفٍ وَذَوْدٍ عَن النَّفْسِ وَالعِرْضِ وَالمالِ.

وإذا كانَ شَأْنُ المُتْرَفِينَ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ، فَحَقُّ الأُمَّةِ التِي تُرِيدُ النُّهُوضَ مِنْ كَبْوَتِها أنْ تُقْلِعَ عَن الإسْرافِ فِي التَّرَفِ، وَتَضَعَ مَكانَ الإسْرافِ بَذْلاً فِي وُجُوهِ البِرِّ والإصْلاحِ دُونَ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ.

فَما أحْوَجَ أُمَّتَنا الإسْلامِيَّةَ اليَوْمَ أنْ تَعْرِفَ قِيْمةَ المالِ الذِي فِي يَدِها، وهُوَ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّ سُوءَ إدارَةِ المالِ يُوْقِعُها فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَزَماتِ الاقْتِصادِيَّةِ، إنْ كانَ ذلك عَلى مُسْتَوى الأفْرادِ أوِ الجَماعاتِ أوِ الدُّوَلِ، وَلَعَلَّ الإسْرافَ الوَسِيلَةُ الأخْطَرُ فِي إهْدارِ المالِ.

لِذا يَجِبُ عَلى الجَمِيعِ -كُلٌّ فِي مَوْقِعِهِ- إشاعةُ ثَقافةِ الاقْتِصادِ وَالقَناعَةِ وَالبُعْدِ عَن الإسْرافِ بِكُلِّ أشْكالِهِ، وإعْطاءُ الأَوْلَوِيَّةِ فِي الإنْفاقِ عَلى الثَّقافَةِ وَتَشْجِيعِ الإبْداعِ وَتَفْجِيرِ الطَّاقاتِ وَالمَواهِبِ.

مقالات مشابهة

آفَةُ الإسْرافِ

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الانْفِصَامُ النَّكِدُ بَيْنَ العِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ

منذ 1دقيقة

أ. وفا محمود عياد - خطيب بوَزارة الأوقاف

التَّبَرُّجُ .. صِفَتُهُ وأسْبابُهُ وعِلاجُهُ

منذ 2 دقيقة

د. نمر محمد أبو عون - خطيب بوَزارة الأوقاف

المَوْقِفُ مِنَ التُّراثِ

منذ 3 دقيقة

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

آفَةُ الإسْرافِ

منذ 0 ثانية293
اختلاف نية الإمام والمأموم

منذ 6 ثانية465
مسجد الصحابي معاذ بن جبل - رفح

منذ 12 ثانية269
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi