شريط الأخبار

الصِّحَّةُ النَّفْسِيَّةُ لِأَسْرَى الحُرِّيَّةِ فِي يَوْمِ الأَسِيْرِ الفِلَسْطِيْنِيِّ

أ. أحمد عليان عيد - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 132

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، ناصِرِ المُسْتَضْعَفينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى نَبِيِّ الرَّحْمةِ الصادِقِ الوَعْدَ الأمينِ، وَبَعْدُ:-

الحُرِيَّةُ: (كَلِمَةٌ أَحْرُفُها قليلةٌ لَكِنَّها تَحْمِلُ في طَيَّاتِها مَعانياً كثيرةً)، الحُرِيَّةُ هي أَغْلى ما يَمْلِكُ الإنْسانُ، فَحَقُّ الإنسانِ في الحُرِيَّةِ كَحَقِّهِ في الحَياةِ، ولقد اعْتَبرَ الإسلامُ "الحُرِيَّةَ" إحْياءً وحَياةً، فَنَجِدُ أنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ -وهو تَحْريرُ العبدِ بإخراجهِ مِنَ المَوْتِ الحُكْمِيِّ إلى حُكْمِ الحَياةِ- جعَلَهُ القُرْآنُ إحياءً للنَّفْسِ وَكَفَّارَةً لِلْقَتْلِ الخَطَأِ الذي أَخْرجَ بِهِ القاتِلُ نَفْساً مِنْ إطارِ الأحْياءِ إلى عِدادِ المَوْتى، فكان عَليْه أنْ يُعيدَ الحَياةَ إلى الرَّقيقِ بالعِتْقِ والتَّحْريرِ كَفَّارَةً عَنْ ذَلِكَ، وذلك في قَوْلِه تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92].

فتُعْتبرُ الحُرِيَّةُ للأَسْرى مِنَ المَعالِمِ الهامَّةِ لِصِحَّتِهم النَّفْسِيَّةِ والتي تُعْتَبرُ مِنَ الاحْتِياجاتِ الأَساسِيَّةِ التي يَنْشُدُها النَّاسُ في مَشارِقِ الأَرْضِ ومَغارِبِها، ونَجِدُ أنَّ الأسْرى بِأمَسِّ الحاجَةِ إلَيْها وخاصَّةً أنَّ لَدَيْهم شُعوراً بِالفَقْدِ وَهُوَ شُعورٌ مُؤْلِمٌ؛ لأنَّ البَشَرَ بِطَبْعِهم وفِطْرَتِهم اجْتماعِيُّونَ، يَحْتاجونَ لِبَعْضِهم البعض، يَجِدونَ مَسَرَّتَهُمْ في عَلاقاتِهم بِالآخَرينَ، لذلك عِنْدَما يَفْقِدونَ أَقْرَبَ النَّاسِ إلَيْهم بِالسَّجْنِ والبُعْدِ عَنْهُم تَنْتابُهم مَشاعِرُ الحُزْنِ أَحْياناً ومشاعرُ الذَّنْبِ أَحْياناً أُخْرى، لذلك قال ابْنُ خَلْدُونَ: (الإِنْسانُ مَدَنِيٌّ بِطَبْعِه)، فَنَجِدُهُ لَمْ يَقُلْ هذه العِبارَةَ مِنْ فَراغٍ، فالإنْسانُ بِطَبْعِهِ وَفِطْرَتِه يُفَضِّلُ الاخْتِلاطَ بِبَقِيَّةِ أَفْرادِ مُجْتَمَعِه ومُشارَكَتَهُم، وَلَاْ يَحْتَمِلُ العُزْلَةَ والبَقاءَ وحيداً وبعيداً عَنْ نَشاطاتِ أَفْرادِ مُجْتَمَعِه.

ولا يُوْجَدُ ألمٌ أَكْبَرُ مِنْ أَلَمِ الأَسيرِ في فُقْدانِهِ أَبْسَطَ أَسْبابِ السَّعادةِ التي تَتَمَثَّلُ بِما يَحْتاجُهُ مِنْ حُقوقٍ ووَاجِباتٍ إنْسانِيَّةٍ، وخُصوصاً حاجَتُه إلى الأَمْنِ النَّفْسِيِّ لأنَّهُ ضَرورِيٌّ لِلْنُّمُوِّ النَّفْسِيِّ السَّوِيِّ والتَّمَتُّعِ بِالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ في جَميعِ مَراحِلِ الحَياةِ، وَقَدْ خَلُصَتْ دِراساتٌ عَديدةٌ أنَّ الأَشْخاصَ الآمِنِينَ مُتَفائِلونَ سُعَداءٌ مُتَوافِقونَ مَعَ مُجْتَمَعِهم مُبْدِعونَ في أَعْمالِهِم ناجِحونَ فِي حَياتِهم، في حِيْن أنَّ الأَشْخاصَ غَيْرَ الآمِنِينَ قَلِقونَ مُتَشائِمونَ، فَنِعْمَةُ الأَمْنِ والأَمانِ لا تُساوَى بِأَيِّ نِعْمَةٍ وَلَاْ تُقَدَّرُ بِأَيِّ ثَمَنٍ، ولا يَسْتَطيعُ أَنْ يَشْعُرَ بِها إِلَّا مَنْ فَقَدَها، فَنَجِدُ الأسْرى هُم أَكْثَرَ مَنْ يَسْتَطيعونَ التَّعْبيرَ عَنْ هذه النِّعْمَةِ العَظيمةِ خصوصاً بَعْدَ أَنْ يَتَنَسَّمونَ عَبَقَ الحُرِّيَّةِ.

وَرَغْمَ هذا الأَلَمِ والضُّغوطاتِ التي يَمُرُّ بِها الأسْرى إِلَّا أَنَّكَ تَجِدُ أنَّ هذا الأَسيرَ الذي بَذَلَ حَياتَه ومُسْتَقْبَلَه مِنْ أَجْلِ الكَرامةِ لَدَيْهِ أَمَلٌ كَبيرٌ، فَلِسانُ حالِهِ يَقولُ ما دامَ فِي قُلوبِنا أَمَلٌ فسَنُحَقِّقُ الحُلُمَ، وَسَنَمْضي إلى الأَمامِ وَلَنْ تَقِفَ فِي دُروبِنا الصِّعابُ، لِنَدْخُلَ فِي سِباقِ الحَياةِ ونُحَقِّقَ الفَوْزَ بِعَزْمِنا، فَاليَأْسُ والاسْتِسْلامُ لَيْسَ مِنْ شِيَمِنا؛ لذلك هُمْ يَخوضونَ الآنَ حَرْبَ الجُوْعِ وَيَأْبَوْنَ الرُّكوعَ مِنْ أَجْلِ الحُصولِ عَلى الحُرِّيةِ.

لِذلكَ نَجِدُ أَنَّ الإِسْلامَ حَرَصَ عَلى الحُرِّيَّةِ لِلْأَسْرى؛ لِأَنَّ ذلكَ يَضْمَنُ لَهُم الصِّحَّةَ النَّفْسِيَّةَ كَما جاءَ فِي الحَديثِ الصَّحيحِ عَن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فُكُّوا الْعَانِيَ»، والعاني: أي الأسير [البخاري: ح89].

فَالأَسيرُ بِحاجةٍ ماسَّةٍ إلى المُسانَدةِ الاجْتِماعِيَّةِ بِكافَّةِ أَشْكالِها التي تُعَدُّ مَصْدَراً هامَّاً مِنْ مَصادرِ الدَّعْمِ الاجْتِماعِيِّ الذي يَحْتاجُهُ الأَسِيرُ، ويُقصَدُ بِالمُسانَدةِ الاجْتِماعِيَّةِ لِلْأَسْرى هو ذلك النِّظامُ الذي يَتَضَمَّنُ الرَّوابِطَ والتَّفاعُلاتِ الاجْتِماعِيَّةَ مِنْ قِبَلِ الجَميع ِوخاصَّةً الذين يُمْكِنُ الاعتمادُ عَلَيْهِم والثِّقَةُ بِهِمْ لِيَمْنَحوا الأَسِيرَ السَّنَدَ العاطِفِيَّ، ويُقَدِّموا لَهُ العَوْنَ وَيَكونوا مَلاذاً لَهُ وَقْتَ الشِّدَّةِ.

فَهُنا لَاْ بُدَّ مِنْ وَعْيِ المُجْتَمَعِ بِأَهَمِّيَّةِ إِشْباعِ الاحْتِياجاتِ النَّفْسِيَّةِ وخاصَّةً العاطِفِيَّةُ لِلْأَسْرى مِنْ خِلالِ العَمَلِ عَلى مُساعَدَتِهِم فِي نَيْلِ حُرِّيَّتِهِم والوقوفِ بِجانِبِهِم ومُسانَدَتِهِم ومُؤَازَرَةِ عائِلاتِهِم، مِمَّا يُؤَدِّي ذلك إلى شُعورِهِمْ بِالْأَمْنِ النَّفْسِيِّ وَالاجْتِماعِيِّ.

تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ تَعالى.

مقالات مشابهة

الهجرة النبوية بوابة الدولة والحضارة

منذ 8 ثانية

أ. عبد القادر خليل الشطلي - خطيب بوزارة الأوقاف

مَحبَّةُ الرَّسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

منذ 12 ثانية

د. عبد الباري محمد خِلّة - خطيب بوَزارة الأوقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الصِّحَّةُ النَّفْسِيَّةُ لِأَسْرَى الحُرِّيَّةِ فِي يَوْمِ الأَسِيْرِ الفِلَسْطِيْنِيِّ

منذ 0 ثانية132
ما وَاجِبُ العُلَمَاءِ تُجَاهَ الوَحْدَةِ الإسلاميةِ اقْتِدَاءً بنَبيِّ الرحْمةِ؟

منذ 4 ثانية117
الهجرة النبوية بوابة الدولة والحضارة

منذ 8 ثانية112
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi