شريط الأخبار

تَحْدِيدُ مَفْهُومِ الغُلُوِّ ضَرُورَةٌ لِمُعالَجَةِ الغُلُوِّ

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف منذ 0 ثانية 133

يُعَدُّ الغُلُوُّ مَرَضاً مِنْ أمْراضِ الصَّحْوةِ الإسْلامِيَّةِ المُعاصِرَةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ الشَّبابِ، والمُتَأَمِّلُ فِي واقِعِنا المُعاصِرِ يَكْتَشِفُ أنَّ المُشْكِلةَ لَيْسَتْ قاصِرَةً عَلى المُسْلِمِينَ، بَلْ أصْبَحَتْ مِنَ السِّماتِ الظاهِرَةِ فِي هذا العَصْرِ، إذْ صارَ فِي كُلِّ بَلَدٍ وفِي كُلِّ حَضارَةٍ طَوَائِفُ عُرِفَتْ بِتِلْكَ الأعْمالِ، وتَخْتَلِفُ طَبِيعَةُ كُلِّ فِئَةٍ بَحَسْبِ الحَضارةِ، أو الدِّيْنِ والمَذْهَبِ الذِي يَعْتَنِقُهُ أفْرادُها، وعَلى الصَّعِيدِ الإسْلامِيِّ لَمْ تَعُدِ المُشْكِلَةُ قاصِرَةً عَلى بَلَدٍ واحِدٍ، بَلْ أصْبَحَتْ مُشْكِلَةً عالَمِيَّةً تَشْمَلُ جَمِيعَ أرْجاءِ الوَطَنِ الإسْلامِيِّ، وهِيَ مَطْرُوحَةٌ عَلى السَّاحةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ البِلادِ الإسْلامِيَّةِ، لَكِنَّها تَتَفاوَتُ فِي الحِدَّةِ، فَهِيَ فِي بَعْضِ البُلْدانِ أكْبَرُ وأظْهَرُ مِنَ البَعْضِ الآخَرِ، وهَذا يَعُودُ إلى قُوَّةِ العَوامِلِ المُسَبِّبَةِ لِهَذهِ المُشْكِلَةِ وضَعْفِها فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ البِلادِ الإسْلامِيَّةِ.

وإذا كانَ لا أحَدَ يَخْتَلِفُ عَلى أنَّ الغُلُوَّ مُشْكِلةٌ تَحْتاجُ إلى عِلاجٍ، إلَّا أنَّ تَحْدِيدَ مَفاهِيمِ الغُلُوِّ مُقَدِّمَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعِلاجِ، حَيْثُ لُوحِظَ أنَّ هُناكَ إسْرافاً فِي اسْتِعْمالِ هذا المُصْطَلَحِ، حَيْثُ يُؤَدِّي بِنا لِلْوُقُوعِ فِي الغُلُوِّ فِي حُكْمِنا عَلى بَعْضٍ وَيُصْبِحُ هذا الحُكْمُ تُهْمَةً أكْثَرَ مِنْهُ حَقِيقَةً.

إنَّ العِلْمَ بِحَقائِقِ الأَشْياءِ وَالوَعْيَ بِمَفاهِيمِها يُعَدُّ مَدْخَلاً أساسِيَّاً لِتَضْيِيقِ دائِرَةِ الخِلافِ أوْ إزَالَتِهِ؛ إذْ ما تَكادُ تَجِدُ خِلافاً فِي حُكْمٍ إلَّا وَمِنْ وَرائِهِ اخْتِلافٌ أوْ سُوءُ فَهْمٍ أوْ جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ المُخْتَلَفِ فِيْه، فَأَحْكامُ النَّاسِ عَلى الأفْكارِ أوْ عَلى الأشْخاصِ عائِدَةٌ إلى التَّصَوُّرِ، وفِي المَأْثُورِ مِنْ أقْوالِ أسْلافِنا "الحُكْمُ عَلى الشَّيْءِ فَرْعٌ مِنْ تَصَوُّرِهِ".

أمَّا الغُلُوُّ، فَمَعْناهُ فِي اللُّغَةِ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، وَفِي الشَّرْعِ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ الشَّرْعِيِّ مِنْ كَلامِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أوْ كَلامِ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهَذِهِ المُجاوَزَةُ قَدْ تُفْضِي لِلْوُقُوعِ فِي الحَرامِ أوِ المَكْرُوهِ أوْ مُخالَفَةِ سُنَّةٍ.

وَالغُلُوُّ هُوَ اللَّفْظُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيْحُ فِي مُقابِلِ المُصْطَلَحِ الإعْلامِيِّ المُعاصِرِ (التَّطَرُّف)، وَقَدْ جَاءِ هذا اللَّفْظُ فِي كِتابِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي مَواضِعَ كَثِيرةٍ، قالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ولا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ﴾ [النِّساء:171].

والتَّطَرُّفُ مُصْطَلَحٌ يُضادُّ مُصْطَلَحَ (الوَسَطِيَّةِ) الذِي هُوَ مِنَ الوَسَطِ (الواقِعِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ)، كَما يَقُولُ الأَصْبَهانِيُّ فِي مُفْرَداتِ غَرِيبِ القُرْآنِ، وهُوَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَعْنَى العَدْلِ، وفِي القُرْآنِ الكَرِيمِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [آل عِمْران:143]، أيْ: أُمَّةَ عَدْلٍ، وَعَلى هذا فَإِنَّ مَنْ تَجاوَزَ حَدَّ الاعْتِدالِ يَصِحُّ أنْ يُوْصَفَ بِالْتَّطَرُّفِ.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَه فِي سُنَنِهِما، والحاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالَ: «إيّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّيْنِ، فَإنَّما هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّيْنِ» [رواه أحمد].

وَهُنا يَحْسُنُ أنْ أُنَبِّهَ فِي ضُوْءِ ما سَبَقَ إلى بَعْضِ المُلاحَظاتِ:

1. إنَّ الغُلُوَّ فِي حَقِيقَتِهِ حَرَكَةٌ فِي اتِّجاهِ القاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَوَامِرِ الإلَهِيَّةِ، وَلَكِنَّها حَرَكَةٌ تَتَجاوَزُ مَداها المَحْدُودَ الذِي حَدَّدَه الشَّارِعُ.

2. إنَّ الغُلُوَّ لَيْسَ دائِماً فِعْلاً، بَلْ يَدْخُلُ فِيْهِ التَّرْكُ أيْضاً.

3. إنَّ الحُكْمَ عَلى العَمَلِ بِأَنَّهُ غُلُوٌّ يَجِبُ أنْ يُتَأَنَّى فِيْه، وَيَنْظُرَ إلى العَمَلِ بِدِقَّةٍ، فَقَدْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غُلُوٌّ مَعَ أَنَّهُ سَلِيمٌ، وَلَكِنَّ الوَسِيلَةَ إلَيْهِ قَدْ تَكُونُ مِنْ بابِ الغُلُوِّ، فَيَقَعُ الخَلْطُ مِنْ هذا البابِ.

4. لَيْسَ مِنَ الغُلُوِّ طَلَبُ الأكْمَلِ فِي العِبادَةِ، وَلَكِنَّ مِنَ الغُلُوِّ الإثْقالَ عَلى النَّفْسِ إلى دَرَجَةِ المَلَلَ وإيْقاعِها فِي العَنَتِ.

5. إنَّ الغُلُوَّ حالَةٌ دائِمَةٌ تَتَّسِعُ وَتَضِيقُ بِحَسَبِ اتِّساعِ عَوامِلِها، فَلا يَكادُ يَخْلُو زَمانٌ مِنْ وُجُودِ غُلاةٍ، واسْتِعْراضُ التَّارِيخِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى وَقْتِنا الحاضِرِ يَشْهَدُ بِهَذا.

6. غالِباً ما يَحْدُثُ الغُلُوُّ فِي البِيئاتِ أوِ الأزْمِنَةِ المُضْطَرِبَةِ، فَهُوَ فِي حَقِيقَةِ الأمْرِ رَدُّ فِعْلٍ أكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ فِعْلاً، واقْرَؤُوا التَّارِيخَ يُخْبِرْكُمْ، إذْ فِيْه العِبَرُ.

7. إنَّ مِقْدارَ تَدَيُّنِ المَرْءِ وتَدَيُّنِ المُحِيطِ الذِي يَعِيشُ فِيْهِ مِنْ حَيْثُ القُوَّةِ والضَّعْفِ لَهُ أَثَرٌ فِي الحُكْمِ عَلى الآخَرِينَ بِالْتَّطَرُّفِ أو التَّوَسُّطِ أو التَّسَيُّبِ.

8. لَيْسَ مِنَ الإنْصافِ أنْ نَتَّهِمَ إنْساناً بِالْتَّطَرُّفِ فِي دِينِهِ لِمُجَرَّدِ أنَّهُ اخْتارَ رَأْياً فِقْهِيَّاً مُتَشَدِّداً، ما دامَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ الأصْوَبُ أو الأرْجَحُ.

مقالات مشابهة

تَحْدِيدُ مَفْهُومِ الغُلُوِّ ضَرُورَةٌ لِمُعالَجَةِ الغُلُوِّ

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

لا ترعبوا المسلمين بنشر أخبار الجرائم!

منذ 4 ثانية

أ. أحمد عليان عيد - خطيب بوَزارة الأوقاف                                           

خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلْنَّاسِ

منذ 17 ثانية

أ. حسن أبو زيد - خَطيبٌ بِوَزارةِ الأَوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

تَحْدِيدُ مَفْهُومِ الغُلُوِّ ضَرُورَةٌ لِمُعالَجَةِ الغُلُوِّ

منذ 0 ثانية133
لا ترعبوا المسلمين بنشر أخبار الجرائم!

منذ 4 ثانية81
ما علاقة الشيطان بالحزن؟

منذ 8 ثانية148
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi