شريط الأخبار

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطه الشرعية

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي منذ 0 ثانية 309

من الفرائض الأساسية في الإسلام، فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي الفريضة التي بسببها حازت الأمة على الأفضلية، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110]، ومن الصفات الأساسية للمؤمنين في نظر القرآن ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:112].

وكما مدح القرآن الآمرين الناهين، ذم الذين لا يأمرون بالمعروف، ولا يتناهون عن المنكر كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:78].

والمسلم بهذا ليس مجرد إنسان صالح في نفسه، يفعل الخير، ويدع الشر، ويعيش في دائرته الخاصة، لا يُبالي بالخير، وهو يراه ينزوي ويتحطم أمامه، ولا بالشر وهو يراه يعشش ويفرخ من حوله، بل المسلم -كل مسلم- إنسان صالح في نفسه، حريص على أن يُصلح غيره، وهو الذي صورته تلك السورة الموجزة من القرآن، ﴿وَالْعَصْر * ِإِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]، فلا نجاة للمسلم من خسران الدنيا والآخرة، إلا بهذا التواصي بالحق والصبر، الذي قد يُعبرُ عنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو حارس من حراس الحق والخير في الأمة، فكل منكر يقع في المجتمع المسلم، لا يقع إلا في غفلة من المجتمع المسلم أو ضعف وتفكك منه، ولهذا لا يستقر ولا يستمر، ولا يشعر بالأمان، ولا يتمتع بالشرعية بحال.

الحديث الصحيح في تغيير المنكر ومراتبه:

ومن هنا جاء الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: »مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ« [رواه مسلم]، والحديث واضح الدلالة في أن تغيير المنكر من حق كل من رآه من المسلمين، بل من واجبه.

ودليل ذلك أن "من" في الحديث "من رأى" من ألفاظ العموم، كما يقول الأصوليون، فهي عامة تشمل كل من رأى المنكر، حاكماً كان أو محكوماً، وقد خاطب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الكريم بها المسلمين كافة "من رأى منكم" لم يستثن منهم أحداً، ابتداء من الصحابة فمن بعدهم من أجيال الأمة إلى يوم القيامة، وقد كان هو الإمام والرئيس والحاكم للأمة، ومع هذا أمر من رأى منهم -وهم المحكمون- منكراً أن يُغيروه بأيديهم، متى استطاعوا، حين قال: "من رأى منكم منكراً".

شروط تغيير المنكر:

كل ما هو مطلوب من الفرد أو الفئة المسلمة عند التغيير: أن يُراعي الشروط التي لا بد منها والتي تدل عليها ألفاظ الحديث.

الشرط الأول: أن يكون محرماً مجمعاً عليه:

أي أن يكون "منكراً" حقاً، ونعني هنا: المنكر الذي يُطلب تغييره باليد أولا، ثم باللسان، ثم بالقلب عند العجز، ولا يطلق "المنكر" إلا على "الحرام" الذي طلب الشارعُ تركه طلباً جازماً، بحيث يستحق عقاب الله من ارتكبه، وسواء أكان هذا الحرام فعل محظورٍ، أم ترك مأمور، وسواء أكان الحرام من الصغائر أم من الكبائر، وإن كانت الصغائر قد يُتساهل فيها ما لا يُتساهل في الكبائر، ولاسيما إذا لم يُواظب عليها، وقد قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:31].

فلا يدخل في المنكر إذن المكروهات، أوترك السنن والمستحبات، لابد إذن أن يكون المنكر في درجة "الحرام" وأن يكون منكراً شرعيا حقيقياً، أي ثبت إنكاره بنصوص الشرع المحكمة، أو قواعده القاطعة، التي دل عليها استقراء جزئيات الشريعة.

وليس إنكاره بمجرد رأي أو اجتهاد، قد يصيب ويخطئ، وقد يتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال، وكذلك يجب أن يكون مُجمعاً على أنه منكر، فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديماً أو حديثاً، بين مجيز ومانع، فلا يدخل في دائرة "المنكر" الذي يجب تغييره باليد وخصوصا للأفراد.

الشرط الثاني: ظهور المنكر:

أي أن يكون المنكر ظاهراً مرئياً، فأما ما استخفى به صاحبه عن أعين الناس وأغلق عليه بابه، فلا يجوز لأحد التجسس عليه، بوضع أجهزة التصنت عليه أو كاميرات التصوير الخفية،أو اقتحام داره عليه لضبطه متلبسا بالمنكر.

وهذا ما يدل عليه لفظ الحديث: "من" "رأى" منكم منكر فليغيره.."، فقد ناط التغيير برؤية المنكر ومشاهدته، ولم ينطه بالسماع عن المنكر من غيره، وهذا لأن الإسلام يدع عقوبة من استتر بفعل المنكر ولم يتبجح به، إلى الله تعالى يحاسبه في الآخرة، ولم يجعل لأحد عليه سبيلا في الدنيا،حتى يبدى صفحته ويكشف ستره.

حتى إن العقاب الإلهي ليخفف كثيراً على من استتر بستر الله، ولم يظهر المعصية كما في الحديث الصحيح: »كل أمتي معافى إلا المجاهرين« [متفق عليه]،  لهذا لم يكن لأحد سلطان على المنكرات الخفية، وفي مقدمتها معاصي القلوب من الرياء والنفاق والكبر والحسد والشح والغرور ونحوها، وإن اعتبرها الدين من أكبر الكبائر، ما لم تتجسد في عمل ظاهر، وذلك لأننا أمرنا أن نحكم بالظواهر،ونكل إلى الله تعالى السرائر.

والشرط الثالث: القدرة الفعلية على التغيير:

أي أن يكون مريد التغيير قادراً، بنفسه أو بمن معه من أعوان -على التغيير بالقوة- بمعنى أن يكون لديه قوة مادية أو معنوية تُمكنه من إزالة المنكر بسهولة، وهذا الشرطُ مأخوذٌ من حديث أبي سعيد أيضاً، »فمن لم يستطع فبلسانه« أي: فمن لم يستطع التغيير باليد، فليدع ذلك لأهل القدرة، وليكتف هو بالتغيير باللسان والبيان، إن كان في استطاعته.

وهذا في الغالب إنما يكون لكل ذي سلطان في دائرة سلطانه، كالزوج مع زوجته، والأب مع أبنائه وبناته الذين يعولهم ويلي عليهم، وصاحب المؤسسة في داخل مؤسسته والأمير المطاع في حدود إمارته أو سلطته، وحدود استطاعته، وهكذا، وإنما قلنا: القوة المادية أو المعنوية، لأن سلطة الزوج على زوجته أو الأب على أولاده، ليست بما يملك من قوة مادية، بل بما له من احترام وهيبة يجعلان كلمته نافذة، وأمره مطاعاً.

الشرط الرابع: عدم خشية منكر أكبر:

أي ألا يخشى من أن يترتب على إزالة المنكر بالقوة منكر أكبر منه، كأن يكون سبباً لفتنة تُسفكُ فيها دماء الأبرياء، وتُنتهك الحرمات، وتُنتهبُ الأموال، وتكون العاقبة أن يزدادَ المنكر تمكناً، ويزداد المتجبرون تجبراً وفساداً في الأرض.

ولهذا قرر العلماء مشروعية السكوت على المنكر مخافة ما هو أنكر منه وأعظم، ارتكاباً لأخف الضررين، واحتمالاً لأهون الشرين،  وفي هذا جاء الحديث الصحيح، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة: »لولا أن قَومكَ حدِيثو عهدٍ بشرك، لَبنيتُ الكعبة على قواعدَ إبراهيم« [رواه مسلم]، وفي القرآن الكريم ما يؤيد ذلك، في قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، حين ذهب إلى موعده مع ربه، الذي بلغ أربعين ليلة، وفي هذه الغيبة فتنهم السامري بعجله الذهبي، حتى عبده القوم، ونصحهم أخوه هارون، فلم ينتصحوا وقالوا: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:91].

وبعد رجوع موسى ورؤيته لهذا المنكر البشع -عبادة العجل- اشتد على أخيه في الإنكار، وأخذ بلحيته يجره إليه من شدة الغضب ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * ألا تَتَبِعن إعَصيتَ أمري﴾ [طه:92-93]، ومعنى هذا: أن هارون قَدَّم الحفاظ على وحدة الجماعة في غيبة أخيه الأكبر حتى يحضر، ويتفاهما معاً كيف يواجهان الموقف الخطير بما يتطلبه من حزم وحكمة.

مقالات مشابهة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطه الشرعية

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

الشروط المتفق عليها لصحة الأذان

منذ 11 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الداعية بين اللين والشدة

منذ 14 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية - فلسطين

آثار ومفاسد التطلع للإمارة على الداعية

منذ 14 دقيقة

شبكة مساجدنا الدعوية – فلسطين

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطه الشرعية

منذ 0 ثانية309
المسجد دوره ومكانته في موضوعات القصة الإسلامية المعاصرة

منذ 12 ثانية294
الأَخْذُ بِالأَسْبَابِ فِي حَياةِ الأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ

منذ 13 ثانية241
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi