شريط الأخبار

كَيْفِيّةُ التَّعامُلِ مَعَ الإِشَاْعَةِ؟

د. نمر محمد أبو عون - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 35

الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا رَسُوْلِ اللهِ وآلِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ وَاْلَاْهُ، أمَّا بَعْدُ:

فإنَّنا نَعِيْشُ فِي زَمَنٍ يَكْثُرُ فِيْهِ تَرْوِيْجُ الإِشاعاتِ؛ وَلِكَيْلا تُؤثِّرَ هذه الإشاعةُ عَلى الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ لا بُدَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ مِن اتِّباعِ مَنْهَجٍ واضِحٍ مُحَدَّدٍ لِلْتَّعامُلِ مَعَها؛ حَتَّى لا يَسْتَشْرِيَ خَطَرُها، وقَدْ رَسَمَتْ آياتُ القُرْآنِ الكَرِيْمِ الخُطُوَاتِ الوِقائِيَّةَ والعِلاجِيَّةَ لِحِمايةِ الفَرْدِ والبَيْتِ والمُجْتَمَعِ وصِيانَتِهِم مِنَ الإشاعةِ، وكُلُّ ذلك بِتَقْدِيْرِ العَلِيْمِ الحَكِيْمِ، الذِي خَلَقَنَا ويَعْلَمُ ما يَنْفَعُنا وما فِيْه الخَيْرُ لَنا، وهَذا المَنْهَجُ يَتَكَوَّنُ مِنْ سَبْعِ نِقاطٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ آياتِ حادِثةِ الإِفْكِ، واتِّباعُها يَتِمُّ بِالْتَّرْتِيْبِ، كَالتَّالي:

أولاً: وُجُوْبُ تَقْدِيْمِ المُؤْمِنِ حُسْنَ الظَّنِّ بِأَخِيْهِ المُؤْمِنِ:

قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:12]، والمُرادُ: واجِبُ المُؤْمِنِيْنَ إذا سَمِعُوا مَقالةَ أهْلِ الإفْكِ أنْ يُكَذِّبُوْها ويُقَدِّمُوا حُسْنَ الظَّنِّ ولا يُسْرِعُوا إلى التُّهْمةِ فِيْمَنْ عَرَفوا فِيْه الطَّهارةَ، ومَعْنى (بِأَنْفُسِهِم): بِأَهْلِ دِيْنِهِم؛ لِأنَّ المُؤْمِنِيْنَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَلا يُصَدِّقُ مُؤْمِنٌ عَلى أخِيْهِ قَوْلَ عائِبٍ ولا طاعِنٍ.

ثانياً: التَّحَقُّقُ وطَلَبُ الدَّلِيْلِ البُرْهانِيِّ عَلى أيِّ إشاعةٍ حِيْنَ سَماعِها:

وقَبْلَ اتِّهامِ الآخَرِيْنَ، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات:6]، وقال اللهُ تعالى: ﴿لَوْلا جاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ [النور:13]، وفِيْ هَذا تَوْبِيْخٌ وتَعْنِيْفٌ وذَمٌّ لِلَّذِيْنَ يَسْمَعُوْنَ الإشاعةَ ويَتَحَدَّثُوْنَ بِها بِغَيْرِ بَيِّنةٍ، ولَمْ يَقُوْمُوْا بِدَفْعِها وإنْكارِها، فلَمْ يَسْتَنِدُوْا إلى مُشاهَدةِ ما أَخْبَرُوْا بِهِ، فَكانَ خَبَرُهَم إفْكاً، فَالذِي يُخْبِرُ خَبَراً -بِدُوْنِ بَيِّنةٍ أو مُشاهَدةٍ- لا يُقْبَلُ مِنْه، ويَجِبُ تَكْذِيْبُهُ.

ثالثاً: خُطُوْرَةُ تَرْدِيْدِ قَوْلِ الإفْكِ بِسُرْعةٍ ودُوْنَ تَثَبُّتٍ:

فَقَدْ تُهْلِكُ الأخْبارُ الكاذِبةُ الأُمَّةَ، خاصَّةً إذا كانَ العَدُوُّ مِنْ وَرائِها، قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:15]، إنّما جُعِلَتِ الألْسُنُ آلةً لِلْتَّلَقِّي مَعَ أنَّ تَلَقِّيَ الأخْبارِ بِالأسْماعِ؛ لأنَّهُ لمّا كانَ هذا التَّلَقِّي غايَتُهُ التَّحَدُّثُ بِالخَبَرِ جُعِلَتِ الألْسُنُ مَكانَ الأسْماعِ مَجازًا، وفِيْه تَعْرِيْضٌ وتَوْبِيْخٌ بِحِرْصِهِم عَلى تَلَقِّي هذا الخَبَرِ ومُبادَرَتِهِم بِالْإِخْبارِ بِهِ بِلا تَرَوٍّ ولا تَرَيُّثٍ، وفِي هذه الآيةِ مَنَ الأَدَبِ الأخْلاقِيِّ والتَّقْوى أنَّ المَرْءَ لا يَقُوْلُ بِلِسانِهِ إلّا مَا يَعْلَمُهُ ويَتَحَقَّقُهُ.

رابعاً: عَدَمُ التَّحَدُّثِ بِكُلِّ ما يَتِمُّ سَماعُهُ:

فعَدَمُ نَشْرِ الإشاعةِ يُمِيْتُها فِي مَهْدِها: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:47]، ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور:16].

خامساً: التَّحْذِيْرُ مِنْ تَكْرارِ الوُقُوْعِ فِيْهِ:

قالَ تَعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور:17]، وهذا تَحْذِيْرٌ لِلْمُؤْمِنِيْنَ مِنَ العَوْدَةِ إلى التَّلَقِّي والانْدِفاعِ وَراءَ كلِّ إشاعةٍ دُوْنَ تَثَبُّتٍ، ومِنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ فِي العَواقبِ، وهُوَ مِنَ الزَّواجِرِ؛ لِكَيْلا يَعُوْدُوْا إلى مِثْلِ هذا العَمَلِ أبَداً، وَقَدْ دَخَلَ تَحْتَ ذلك مَنْ قالَ ومَنْ سَمِعَ فلمْ يُنْكِرْ؛ لأنَّ حَالَهُما سَواءٌ.

سادساً: مَحَبَّةُ شُيُوْعِ الفاحِشةِ فِي المُؤْمِنِيْنَ تَسْتَحِقُّ العُقُوْبَةَ:

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:19]، وهذا بَيانٌ لِمَدى شَناعةِ مَنْ تَمَنَّى ذَلِكَ وأَحَبَّهُ؛ لأَنَّهُ قَدْ شَارَكَ بِقَلْبِهِ كَما شَارَكَ فِيْه مَنْ فَعَلَهُ ومَنْ لَمْ يُنْكِرْهُ، فمَنْ أسَرَّ مَحَبَّةَ إشاعةِ الفاحِشةِ والشَّرِّ فِي المُؤْمِنِيْنَ يَسْتَحِقُّ عَذابَ اللهِ، ويَدُلُّ ذلك عَلى وُجُوْبِ سَلامةِ قَلْبِ المُؤْمِنِيْنَ كَوُجُوْبِ كَفِّ الجَوارِحِ والقَوْلِ عَمَّا يَضُرُّ بِهِمْ، وعَلى الرَّغْمِ مِنْ أنَّ الآيةَ نَزَلَتْ فِي قَذْفِ عائِشةَ -رضِي اللهُ عَنْها-، إلّا أنَّ العِبْرةَ بِعُمُوْمِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوْصِ السَّبَبِ.

سابعاً: إرْجاعُ الأمْرِ إلى أهْلِهِ ذَوِيْ الاخْتِصاصِ:

وهذه قاعِدةٌ عامَّةٌ فِي كُلِّ الأخْبارِ المُهِمَّةِ، ولَها أثَرُها الواقِعِيُّ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:83].

مقالات مشابهة

كَيْفِيّةُ التَّعامُلِ مَعَ الإِشَاْعَةِ؟

منذ 0 ثانية

د. نمر محمد أبو عون - خطيب بوَزارة الأوقاف

لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ!

منذ 5 ثانية

أ. ياسر يوسف جاد الحق - خطيب بوَزارة الأوقاف

ذنوب الخلوات

منذ 10 ثانية

د. عبد الباري محمد خِلّة - خطيب بوَزارة الأوقاف

المَسْجِدُ الخَدَماتِيُّ!!

منذ 20 ثانية

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارةِ الأوْقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

كَيْفِيّةُ التَّعامُلِ مَعَ الإِشَاْعَةِ؟

منذ 0 ثانية35
لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ!

منذ 5 ثانية35
ذنوب الخلوات

منذ 10 ثانية38
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi