شريط الأخبار

الفَتاةُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالأَمَلِ

أ. أحمد عليان عيد - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 132

إِنَّ مَوْضوعَ تَرْبِيةِ الأَبْناءِ مُهِمٌّ جِدّاً، وَتَتوقَّفُ عَلَيْه مَصْلَحةُ الآباءِ والأُمَّهاتِ مَعاً، بَلْ يَتوقَّفُ عليه مُسْتقبَلُ الأُمَّةِ والمُجْتَمَعِ، فَالدِّفْءُ الأُسَرِيُّ رابِطٌ قَوِيٌّ ومُهِمٌّ فِي بِناءِ المُجْتَمَعِ، فَبِدُونِهِ تَنْهارُ الأَعْمِدَةُ والأَسْقُفُ، وَهُوَ السَّبيلُ الوَحيدُ لِبِناءِ أُسْرَةٍ سَعيدةٍ، وَلَهُ الدَّوْرُ الكَبيرُ فِي الاستِقرارِ النَّفْسِيِّ الذي يَنْعَكِسُ عَلى حَياةِ كُلِّ فَرْدٍ لَدَيْها، فَيَكونُ سعيداً وناجحاً، وفرداً بَنّاءً إيجابياً فِي المُجْتَمَعِ.

لِذلكَ نَجِدُ أَنَّ الفَتَياتِ بِحاجةٍ إلى دِفْءٍ مِنْ داخِلِ الأُسْرَةِ، فَالفَتَياتُ رَقيقاتٌ وَيَتَعَلَّقْنَ كثيراً بِآبائِهِنَّ، فلا نَجْعَلُها تَشْتاقُ إلى الحَنانِ فلا تَجِدُ مِنَ الآباءِ إلَّا الجَفافَ، وإلى القُرْبِ والحُبِّ فلا تَجِدُ إلَّا الصُّدودَ، فالإهْمالُ العاطِفيُّ لِلفتاةِ سواءٌ كان مَعْنوياً أَوْ جَسَدياً -وإن اختَلَفتْ طُرُقُه وأسبابُه- يُؤَدِّي إلى وُصولِها إلى مُنْحَدَرٍ خَطيرٍ لا يُريدُهُ الفَرْدُ ولا المُجتمَعُ؛ لِأَنَّه يَجْعَلُ الفَتاةَ تُعاني مُعاناةً شَديدةً وَتَمُرُّ بِمَرْحَلةٍ صَعْبةٍ لِلغايةِ، وتَجِدُ أَنَّها تائهةٌ فِي هذا الوَسَطِ المُتَلاطِمِ حَتَّى تَشْعُرَ بِالضَّياعِ وتَشْعُرَ بِأَنَّه لا يُوْجَدُ مَنْ يَقِفُ بِجانبِها؛ وذلك لِأَنَّ أَهْلَها وأُسْرَتَها جَعَلاها تَشْعُرُ بِالفراغِ العاطِفيِّ الشديدِ، فهذه الفَتاةُ تَفْتَقِرُ إلى الحَنانِ وإلى اللَّمْسةِ الحانِيةِ الوَدودةِ التي تُشْعِرُها بِأَنَّها مَحْبوبةٌ ومَرْغوبةٌ مِنْ أَهْلِها ومِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْها، لذلك نَجِدُ أَنَّ الفَتاةَ إذا مَرَّتْ بِمِحْنةٍ عَظيمةٍ وأصابَها افتقارٌ إلى الحَنانِ وإلى العَواطِفِ الصادِقةِ التي تَمْلَأُ عليها نَفْسَها وقَلْبَها وحَياتَها، فَعَلَيْنا أَنْ نَتَأَمَّلَ ماذا نَتَوَقَّعُ مِنْها؟!.

نَجِدُها بِكُلِّ اخْتِصارٍ تَبْحَثُ كَالغَريقةِ عَنْ أَيِّ وَسيلةٍ تُعَوِّضُها عَنْ هذا الفَراغِ العاطِفيِّ، فإذا بِها تَنْتَقِلُ نَقْلَةً بَعيدةً لَم تَعْتَدْ عَلَيْها ولَيْسَتْ مِنْ خُلُقِها، فَتَدْخُلُ المُحادَثاتِ مَعَ الشَّبابِ؛ بَحْثاً عَن الحَنانِ الضَّائعِ وعَن العاطِفةِ المَفْقودةِ، فلا تَجِدُ إلَّا العَبَثَ والتَّلاعُبَ بِالعَواطفِ والغَدْرَ والمَكْرَ مِنْ هؤلاءِ العابِثينَ.

لِذلكَ اهتمَّ الإِسلامُ والمُرَبُّونَ بِتَرْبِيَةِ الأَبْناءِ وخاصَّةً الفَتَياتُ، وعَلى رَأْسِهم الرَّسولُ المُعَلِّمُ، مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ- الذي بَعَثَه اللهُ مُعلِّماً ومُرْشِداً لِلآباءِ والأَبْناءِ، لِيَكْفَلَ لَهُمُ السَّعادةَ فِي الدُّنْيا والآخِرةِ، فَفِي الحَديثِ الذي رَواه البُخارِيُّ: أَتَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ سَوْقًا (رِفْقاً) بِالقَوَارِيرِ» [رواه البخاري]، فَمادَّةُ الرِّفْقِ فِي اللُّغةِ تُضْمِرُ المَعانيَ التالِيةَ: اللُّطْفَ، اللِّيْنَ، السُّهولةَ، الاستِعانةَ، التَّمَهُّلَ والأَناةَ، وَلَوْ أَرَدْنا تَصْويرَ المَرْأةِ بِما تَحْمِلُ مِنْ رِقَّةِ الأُنوثةِ وجَمالِ الإنْسانيّةِ وعُذوبةِ الرُّوحِ وتَأَلُّقِ النَّفْسِ بِكَلِمَةٍ واحِدةٍ لَما وَجَدْنا خَيْراً ولا أنْسَبَ مِنْ هَذهِ الكَلِمَةِ النَّبَوِيَّةِ المُعْجِزَةِ.

فَهُنا لَاْ بُدَّ مِنْ وَعْيِ الآباءِ بِأهمِّيَّةِ إِشْباعِ الاحتياجاتِ النَّفْسِيةِ وخاصَّةً العاطِفيةُ لِلفتاةِ مِمَّا يُؤَدِّي إلى شُعورِها بِالأَمْنِ النَّفْسيِّ؛ لِأَنَّها الحِصْنُ الطَّبيعيُّ الذي يَتولَّى حِمايةَ البَراعِمِ النَّاشِئةِ ورِعايتَها، وتَنْمِيةَ أَجْسادِها وعُقولِها وأَرْواحِها.

وَمِنَ المُهِمِّ جِدًّا أَنْ لا تَكونَ الفَتاةُ مُهَمَّشةً داخِلَ الأُسْرَةِ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:19]، فلابُدَّ أَنْ نَجْعَلَها تُشارِكُ أُسْرَتَها فِي كُلِّ شَيْءٍ، فِي كَيْفِيّةِ التَّخْطيطِ لِمُسْتقبَلِ الأُسْرَةِ، وَأَنْ تَكونَ دائمًا مُفْعَمةً بِالأفْكارِ الإيجابِيّةِ، وأَنْ نُعَزِّزَ عِنْدَها المُبادَراتِ، وأَنْ تُرَتِّبَ مَعَ والِدَتِها المَنْزِلَ بِهُدوءٍ وَدُوْنَ عُنْفٍ، وتُساعِدَ فِيْ أَعْمالِ المَطْبخِ، وتَهْتَمَّ بِشُؤونِ والِدِها، وكذلك إِخْوتِها، وهذا يَجْعَلُها عُضْوًا فَعَّالاً وأساسيًّا ورَئيسًا فِي الأُسْرَةِ، وهُنا سَوْفَ تَشْعُرُ الفَتاةُ بِالحُبِّ الحَقيقيِّ مِنْ جانِبِ والِدَيْها وأُسْرَتِها، فَمَفْهومُ الحَنانِ والعَطْفِ والوُدِّ يَخْتلِفُ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرٍ، وَهُوَ نِسْبِيٌّ جِدًّا، فلابُدَّ أَنْ نُعْطيَ الفَتاةَ الشُّعورَ بِأنَّها قَوِيَّةٌ، وأَنْ نُعَزِّزَ لَدَيْها أَيْضاً شُعورَ أَنَّها شَخْصيّةٌ مُتوازنةُ الأَبْعادِ، مِنْ خِلالِ هذا تَسْتطيعُ هِيَ أَنْ تَعيشَ حَياةً طَيّبةً، وتُديرَ وَقْتَها بِصورةٍ جَيِّدةٍ جِدًّا.

مقالات مشابهة

الفَتاةُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالأَمَلِ

منذ 0 ثانية

أ. أحمد عليان عيد - خطيب بوَزارة الأوقاف

المسجد ودوره في حماية الشباب من الانحراف

منذ 1دقيقة

د. سالم محمود عبد الجليل

أخْلاقِيّاتُ الفَقِيْرِ!

منذ 1دقيقة

أ. نور رياض عيد - خطيبٌ بوَزارة الأوقاف

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الفَتاةُ بَيْنَ الأَلَمِ وَالأَمَلِ

منذ 0 ثانية132
مسجد الرحمن - النصيرات

منذ 4 ثانية170
مسجد «المؤيد شيخ» درة المساجد المعلقة بالقاهرة

منذ 12 ثانية284
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi