شريط الأخبار

الأخلاق أولاً

د. يوسف على فرحات - داعية إسلامي منذ 0 ثانية 279

إن الإسلام رسالة قيم وأخلاق بالدرجة الأولى، لا أنه مجموعة من الطقوس والشعائر المبهمة التي يؤديها الإنسان، لذا حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم الغاية الأولى من بعثته وبيّن العنوان الكبير لدعوته بقوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» [صححه الألباني].

فحصرُ النبي صلى الله عليه وسلم رسالته في هذه المهمة الأخلاقية لهو أكبر دليل علي أن الأخلاق ركن ركين وأساس متين في هذا الدين.

لذا لا غرو أن ربط الإسلام الأخلاق بالعقيدة حتى أنه نفى الإيمان عمن لا أمانة له، وعمن بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع، وعمن زنا أو سرق أو شرب الخمر، وجعل من لوازم الإيمان صلة الرحم وإكرام الجار وقول الخير؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري].

وقد وضّح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإيمان القوي يلد الخلق القوي حتماً، وأن انهيار الأخلاق مرده ضعف الإيمان ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَيَاءَ وَالْإِيمَانَ قُرَنَاءُ جَمِيعًا فإِذا رفع أَحدهمَا رفع الآخر» [أخرجه الحاكم والطبراني]. ويقول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه مسلم].

كما ربط الإسلام الأخلاق بالعبادات وجعلها من ثمراتها وفوائدها لا مجرد طقوس وحركات بقدر ما هي تمارين متكررة تُعوِّد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، فإقامة الصلاة ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، والزكاة ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا، والصيام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، والحج ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. وإذا لم تؤت هذه العبادات أُكلها في الأخلاق والسلوك فقد فقدت قيمتها عند الله.

لذا قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ» [رواه ابن حبان في صحيحه]، وقال أيضاً: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

كما ربط الإسلام المعاملات بالأخلاق أيضاً من الصدق والأمانة والعدل والإحسان والبر وصلة الرحم، وربط الحياة كلها بالأخلاق، فلا انفصال بين العلم والأخلاق، ولا بين السياسة والأخلاق، ولا بين الاقتصاد والأخلاق، ولا بين الحرب والأخلاق.

فالأخلاق لُحمة الحياة الإسلامية؛ وإن بعض المسلمين بل العاملين للإسلام يُجهد الواحد فيهم نفسه في أداء العبادات المطلوبة والنوافل المندوبة، في حين تجد الواحد منهم يرتكب أعمالاً يأباها الخُلق الكريم والإيمان الحق من معاملة فضة وسلوك معوج ووجه صفيق، أمثال هؤلاء توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم وحذر أمته منهم فعند الإمام أحمد في مسنده أن رجلاً قال يا رسول الله: «إِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا. قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلَانَةً تُذْكَرُ قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تؤذي جِيرَانَهَا. قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ».

إن الإسلام جاء لينتقل بالبشر إلى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، فالأخلاق في الإسلام ليست من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها بل هي أصول الحياة التي لا قوام بالحياة إلا بها. لذا جُعل صاحب الخلق هو أكمل الناس أيماناً وأحسن الناس عند الله فعند الإمام الطبراني سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»؛ وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُهَا، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا».

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم علي توكيد هذه المبادئ العادلة حتى تبينها الأمة فلا تهون لديها قيمة الخلق وترفع قيمة الطقوس، فعند الإمام أبي داود يقول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ».

إن الأخلاق والفضائل جزء أصيل من كيان المجتمع المسلم فهو مجتمع العدل والإحسان والبر والرحمة والصدق والأمانة والصبر والوفاء والحياء والعفاف والعزة والتواضع والسخاء والشجاعة والإباء والشرف والبدل والتضحية والمروءة والنجدة والنظافة والتجمل والقصد والاعتدال والسماحة والحلم والتضحية والتعاون والغيرة علي الحرمات والاستعلاء علي الشهوات والغضب للحق والرغبة في الخير والإيثار للغير والإحسان إلى للخلق كافة وبر الوالدين وصلة الأرحام وإكرام الجار ودعوة الناس إلي الخبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير ذلك من الأخلاق.

وكون الأخلاق والفضائل من المقومات الذاتية للمجتمع المسلم وليست من الأعراض الطارئة عليه ولا من الأمور الهامشية في حياته، فإن أمام المجتمع مع الأخلاق مهمة كبيرة تتمثل في ثلاث شعب وهي:

أولاً/ التوجيه: ويكون بالنشر والدعاية ومختلف وسائل الإعلام والتثقيف والدعوة والإرشاد.

ثانياً/ التثبيت: ويكون بالتعليم الطويل المدى والتربية العميقة الجذور على مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة.

ثالثاً/ الحماية وتكون بأمرين:

1. برقابة الرأي العام اليقظ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويكره الفساد وينفر من الانحلال.

2. وبالتشريع الذي يمنع الفساد قبل وقوعه ويعاقب عليه بعد وقوعه زجراً للمنحرف وتأديباً للمستهتر وتطهيراً لجو الجماعة من التلوث.

وبهذه الأمور من التوجيه والحماية تسود أخلاق الإسلام وتسري فضائله في حياة المجتمع سريان العصارة الحية في الغصون والأوراق؛ والأخلاق في الإسلام لا يمكن أن تسود بمجرد مجموعة من التقاليد تقوم على الأوامر والنواهي إن لم يكن هناك نماذج عملية من تتمثل فيهم هذه الأخلاق، وقدوات تُنتَصب يقتدي بها الناس. فلابد لكي يحصل التابع على قدر كبير من الفقه أن يكون في متبوعة قدر أكبر وقسط أجل.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه مثالاً للخلق الذي يدعو إليه فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي، بسيرته العطرة قبل أن يغرس بما يقول من حكم وعظات. فهذا أنس بن مالك رضي الله عنه، كما عند الإمام مسلم يقول: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟». وكان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الطباع لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فاحش ولا عتاب ولا مداح.

لهذا كله أمر الله سبحانه المسلمين أن يقتدوا به في طيب شمائله وعريق خلاله فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب/21].

لهذا كله مطلوب من شباب الصحوة الإسلامية الذين يحملون مسؤولية التغيير للمجتمع أن يضعوا نصب أعينهم أن هذه العملية لا يكتب لها النجاح إلا من خلال نصب قدوات كأنها قرآن يمشي على الأرض لان المواعظ المجردة لا تنفع إن لم تتوج بالخَلاق والسلوكيات العملية وقديماً قالوا: (من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب)، وقالوا: (من لم ينفعك لحظه لا ينفعك لفظه).

مقالات مشابهة

الأخلاق أولاً

منذ 0 ثانية

د. يوسف على فرحات - داعية إسلامي

علامات القلب السليم

منذ 13 دقيقة

د. يوسف على فرحات – داعية إسلامي

تجديد الفكر الإسلامي بين الجمود والجحود

منذ 41 دقيقة

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

أقسام القلوب

منذ 54 دقيقة

الشيخ يوسف على فرحات – داعية اسلامي

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

الأخلاق أولاً

منذ 0 ثانية279
مسئولية الإمام إذا كان عالماً

منذ 10 ثانية182
مسجد الشهيد صلاح شحادة - النصيرات

منذ 15 ثانية173
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi