شريط الأخبار

نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي منذ 0 ثانية 40

إنّ البحث والاستقصاء عن كلّ ما ورد من نماذج رائعة وصور مشرقة لمحاسبة السلف الصالح لأنفسهم يتطلّب مجهوداً جبّاراً ووقتاً طويلاً؛ لأن أولئك القوم ارتبطت قلوبهم بالله؛ فكانوا أجساداً في الأرض وقلوباً في السماء، وما إن يحصل من أحدهم تقصير أو زلّة إلا ويسارع في معالجة خطئه، ومعاقبة نفسه على ذلك؛ حتى لا تكاد تأمره إلا بخير.

ولعلّنا نقتصر هنا على بعض المنقولات العجْلى عن أولئك النفر الكرام لعلّها تحرّك القلوب، وتشحذ النفوس وتربّي المسلم تربية جادة قويّة.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعتُ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يوماً وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعتُه يقول وبيني وبينه جدار: "عمر! أمير المؤمنين! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك" [الزهد لأحمد ].

وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغاً حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرّة، فانصرف الرجل حزيناً، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرّة، وقال له: (اضربني كما ضربتُك) فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك، فقال عمر: إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقّك فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر إلى منزله فصلّى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: (يا ابن الخطاب: كنتَ وضيعاً فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفاً فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه؟ ما تقول لربّك غداً إذا أتيتَه؟ وظلّ يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه) [مناقب الفاروق لابن الجوزي:ص171].

وقال إبراهيم التيمي: (مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أيّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أُردّ إلى الدنيا فأعمل صالحاً! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي) [الزهد لأحمد: ص501].

وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامةُ صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسّ بالنّار ثم يقول لنفسه: (يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ كذا؟) [الزهد لأحمد:ص336].

ونُقِل عن توبة بن الصّمة: أنه جلس يوماً ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفاً وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: (يا ويلتى! ألقى الملك بواحدٍ وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟) ثم خرّ فإذا هو ميّت! فسمعوا قائلاً يقول: يا لكِ ركضةٌ إلى الفردوس الأعلى [الإحياء 4/589].

يقول الغزالي معلّقاً على هذه القصّة: فهكذا ينبغي أن يحاسب (العبد) نفسه على الأنفاس، وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كلّ ساعة. ولو رمى العبد بكلّ معصية حجراً في داره لامتلأت دارُه في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي؛ والملكان يحفظان عليه ذلك، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: 6]، [الإحياء 4/589].

مقالات مشابهة

نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم

منذ 0 ثانية

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

ثقة مهزوزة

منذ 9 دقيقة

أ. محمد عبده - باحث شرعي

الرحمة والحب

منذ 18 دقيقة

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

الرفق واللين يا دعاة الحق المبين

منذ 24 دقيقة

د. يوسف علي فرحات – داعية إسلامي

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم

منذ 0 ثانية40
الشتاء أحكام وآداب

منذ 30 ثانية66
ألبوم صور عمرة النخبة الثانية

منذ 39 ثانية106
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi