شريط الأخبار

لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ!

أ. ياسر يوسف جاد الحق - خطيب بوَزارة الأوقاف منذ 0 ثانية 1051

تَحْتَ هَذَا العُنْوَانِ تَتَجَلَّى حَقِيقَةُ الإِيمَانِ، فَالمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ الذِي لَا يَتْرُكُ الحُلُولَ عِنْدَ وُقُوعِ المُشْكِلَاتِ لِنَزَوَاتِهِ وَأَغْرَاضِهِ وَشَهَوَاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، بَلْ إِنَّهُ يُحَكِّمُ شَرْعَ رَبِّهِ وَمَا تُمْلِيهِ عَلَيْهِ أَخْلَاقُ هَذَا الدِّينِ الحَنِيفِ، إِنَّنا لَا نَعِيشُ فِي مُجْتَمَعٍ مَلَائِكِيٍّ مَعْصُومٍ لَيْسَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الزَّلَلِ وَالخَطَأِ؛ لِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّهُ مِنَ الخَطَأِ اسْتِغْرَابُ وُقُوعِ الخُصُومَاتِ وَالمُشَاحَنَاتِ وَاسْتِهْجَانُها بَيْنَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ وَحَتَّى بَيْنَ أَفْرَادِ الأُسْرَةِ الوَاحِدَةِ، لَكِنَّ التَّوْجِيهَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لِدَفْعِ الخُصُومَاتِ وَحَلِّ المُشْكِلَاتِ وَاضِحَةٌ مِنْ خِلَالِ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ الكَثِيرَةِ وَالأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَاللهُ جَلَّ وَعَلَا قَدْ جَعَلَ العَلَاقَةَ بَيْنَ أَفْرَادِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ قَائِمَةً عَلَى الأُخُوَّةِ المُوصِلَةِ إِلَى ضِفَافِ المَحَبَّةِ فِي اللهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحُجُرَات:10]، وَقَالَ الحَبِيبُ المُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُبْرِزًا حَقِيقَةَ العَلَاقَةِ بَيْنَ أَهْلِ الإِيمَانِ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ].

وَالمُسْلِمُ بِإِخْوَانِهِ وَجَمَاعَتِهِ وَأَحْبَابِهِ وَجِيرَانِهِ وَأَرْحَامِهِ لَا يُبْغِضُهُمْ وَلَا يَقْطَعُهُمْ، وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُمْ سُوءًا رَدَّهُ بِالإِحْسَانِ، وَإِنْ لَقِيَ مِنْهُمْ قَطِيعَةً رَدَّها بِالْوِصَالِ، وَإِنْ حَرَمَهُ أَحَدُهُمْ قَابَلَ الحِرْمَانَ بِالْعَطَاءِ، وَإِنْ ظَلَمُوهُ عَفَا وَصَفَحَ مُمْتَثِلاً قَوْلَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشُّورى:43].                                                           

وَلَيْسَتْ صِلَةُ الأَرْحَامِ المَأْمُورُ بِهَا شَرْعًا هِيَ المُكَافَأَةَ، أَيْ مُقَابَلَةَ الفِعْلِ بِنَفْسِ الفِعْلِ؛ لِأَنَّكَ قَدْ تَجِدُ مَنْ هُمْ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ يُقَابِلُونَ الفِعْلَ بِنَفْسِ الفِعْلِ مُكَافَأَةً، لَكِنَّ الصِّلَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِلْأَرْحَامِ هِيَ التِي تَأْتِي بَعْدَ مُجَاهَدَةِ نَزْوَاتِ النَّفْسِ التِي تَأْمُرُ صَاحِبَها بِمُقَاطَعَةِ مَنْ قَطَعُوهُ وَآذُوهُ وَهِجْرَانِهِمْ، لَكِنَّهُ رَغْبَةٌ فِيمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الأَجْرِ العَظِيمِ وَالثَّوَابِ الجَزِيلِ يَدْرَأُ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَيَدْفَعُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مُتَمَثِّلاً قَوْلَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي التَّشْنِيعِ الشَّدِيدِ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ رَحِمَهُ وَلَا يَصِلُهَا: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [مُحَمَّد:22-23]، فَهَذِهِ عُقُوبَةٌ صَارِمَةٌ يَسْتَحِقُّهَا مَنْ يَتَهَاوَنُ فِي صِلَةِ الأَرْحَامِ، أَوَّلُهَا: اللَّعْنُ مِنَ اللهِ أَيْ الطَّرْدُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ، وَثَانِيهَا: سَلْبُهُمُ السَّمْعَ لِآيَاتِ اللهِ النَّافِعَةِ لَهُمْ، وَثَالِثُها إِعْمَاءُ البَصَرِ الذِي يُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقِ الحَقِّ المُبِينِ.

إِذَنْ، فَالمُؤْمِنُ الفَطِنُ العَاقِلُ هُوَ الذِي لَا يَنْتَقِمُ وَلَا يَنْتَصِرُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَتَشَفَّى مِنْ أَرْحَامِهِ وَأَحْبَابِهِ، وَإِنَّما يَقْهَرُ وَسْوَسَاتِ تِلْكَ النَّفْسِ وَيَجْلِدُهَا بِسِيَاطِ الإِحْسَانِ لِلْمُسِيئِينَ لَهُ لِيَكُونَ مِنَ الفَائِزِينَ المَوْصُوفِينَ بِقَوْلِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرَّعْد:22].

مقالات مشابهة

لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ!

منذ 0 ثانية

أ. ياسر يوسف جاد الحق - خطيب بوَزارة الأوقاف

نَحْنُ وَالانْتَرْنِتُّ

منذ 2 دقيقة

د. محمد كمال سالم - خطيبٌ بِوَزَارَةِ الأَوْقَافِ

الأَخْذُ بِالأَسْبَابِ فِي حَياةِ الأَنْبِياءِ وَالصَّالِحِينَ

منذ 5 دقيقة

أ. سليمان أبو ستة - خطيبٌ بِوَزارةِ الأَوْقافِ

المسجد ودوره في حماية الشباب من الانحراف

منذ 6 دقيقة

د. سالم محمود عبد الجليل

الوسائط

هدفنا الارتقاء بأداء العاملين في إدارة المساجد وتطوير الأنشطة المسجديةإقرء المزيد عنا

كُن على تواصل !!

آخر الأخبار

لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ!

منذ 0 ثانية1051
ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

منذ 1دقيقة1252
هذا البراء فأين الولاء؟

منذ 1دقيقة1006
Masjedna © Copyright 2019, All Rights Reserved Design and development by: Ibraheem Abd ElHadi